ينتظر أن يعيّن مجلس الوزراء قريبا رئيسا لمجلس القضاء الأعلى، المنصب الذي شغر مطلع السنة الجارية ببلوغ رئيسه القاضي غالب غانم سن التقاعد، وتولّاه بعده النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا بالإنابة.
ووفقا للعرف المُتّبع، فإن هذا المنصب يُسند إلى الطائفة المارونية، ويختار صاحبه بين مجموعة قضاة موارنة تتوافر في كل منهم الشروط الآتية:
ـ أن يكون من الدرجة الرابعة عشرة وما فوق.
ـ ترؤسّه محاكم عدة وصولا إلى المحاكم العليا.
وإذا كان رئيس مجلس القضاء الأعلى يعيّن وفقا للقانون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل، فإن الممارسة والعرف يشيران الى ان دور وزير العدل ثانوي، بحيث يُملى عليه الاسم الذي يتم الاتفاق عليه بين اركان السلطة، ليقدم اقتراحا به. وهنا يبرز دور رئيس الجمهورية بما أن هذا المنصب من حصة الطائفة المارونية في المواقع الإدارية والقضائية في الدولة.
وتقول مصادر قضائية إنّ اختيار قاض لرئاسة مجلس القضاء لا يتم آليّا، نظرا إلى أقدمية القاضي، وهذا الأمر منطقي وطبيعي، إذ قد يستبعد من لائحة القضاة من بقي له في الخدمة مدة قصيرة قبل بلوغه السن القانونية. وقد يُستبعد قضاة لم يتولّوا طوال حياتهم المهنية مراكز حساسة. ولكن السيّئ في الأمر أيضا انه قد يتم استبعاد قضاة تتوافر فيهم المواصفات المطلوبة، لأنهم بعيدون من الطبقة السياسية، ما يجعل أسماءهم مغمورة وغير مطروحة.
وتضيف هذه المصادر أن ما يتم تداوله من أسماء مرشّحة لرئاسة مجلس القضاء الاعلى في قصور العدل، ينحصر بأربعة أو خمسة أسماء برزت الى الضوء إثر تأليف الحكومة الجديدة، واستُبعد اسم القاضي شكري صادر بما أنه من القضاة اللبنانيين العاملين في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. كذلك يتم تداول اسمي القاضيين أليس شبطيني وأنطوان ضاهر، وهما رئيسان لغرفتين في محكمة التمييز. ووفق المصادر نفسها، فإنّ هذين القاضيين المغمورين لم يبرزا لو لم يكونا من أبناء جبيل مسقط رأس رئيس الجمهورية، وبالتالي فإنّ حسابات انتخابية نيابية جُبَيلية قد توجّه أنظار رئيس الجمهورية إليهما. وهذه الحسابات قد تفرض نفسها على اسم الرئيس الأول الاستئنافي في بيروت القاضي جان فهد ابن جرود كسروان، الذي يشكل مع عائلته والمقربين منه وضعا انتخابيا قد لا يستطيع مجلس الوزراء تجاهله نسبة الى منصبه القضائي في بيروت، والذي غالبا ما يختار شاغله لرئاسة مجلس القضاء الاعلى. وكان من هؤلاء القاضيان: فيليب خير الله وطانيوس الخوري.
اما الأسماء الاخرى، وهي أسماء لامعة في القضاء، فقد يكون القفز فوقها عثرة امام من يرفع شعار إصلاح القضاء، نظرا الى ما لها من سمعة طيبة. كرئيس غرفة التمييز القاضي أنطوني عيسى الخوري الذي عمل طويلا في التفتيش القضائي، وهو عالم بمواقع الخلل ولا يمكن أي مرجع سياسي التشكيك في ميول من يتوَلّى هذا المنصب. كذلك يبرز اسم رئيس محكمة الاستئناف في بيروت القاضي طنّوس مشلب، وهو صاحب سيرة قضائية طويلة، وقد يستفيد من علاقته الجيدة برئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون.
بين سليمان وعون
وفي ضوء هذه المعطيات، تسأل المصادر القضائية: لمَن ستكون الكلمة الفصل: لسليمان أم لعون؟ وتجيب: "أمام هذا الواقع، فإن تعيين رئيس لمجلس القضاء الاعلى لن يكون بالأمر السهل، لأن عون الذي حصل على حقيبة وزارة العدل بعدما كان متوقعا ان تكون من حصة رئيس الجمهورية، لن يقبل، حسب محامين مقربين منه، ان يعطى بيد ويؤخذ باليد الاخرى، وانه ووزير العدل شكيب قرطباوي يدركان جيدا أهمية هذا المركز، بحيث لا يمكن إجراء تشكيلات قضائية او نقل أي قاض من مركز الى آخر من دون الرجوع الى مجلس القضاء الاعلى الذي يحظى رئيسه بالكلمة الفصل، وخصوصا في ضوء وجود النائب العام التمييزي سعيد ميرزا داخل المجلس، والذي لا يشاطرهما الموقف السياسي، وخصوصا ان التشكيلات القضائية المرتقبة ستطاول قضاة ساهم في تعيينهم خلال الفترة السابقة.
وفي المقابل، وحسب مصادر قضائية اخرى، فإنّ القضاة الجبيليين يشيّعون في قصور العدل أنهم حصلوا على وعود من اوساط رئيس الجمهورية، مفادها أن رئاسة مجلس القضاء ستكون من حصة قضاة أبناء جبيل القريبين منه.
وفي مراجعة للتعيينات القضائية السابقة، يظهر أنّ حصة عون في المجلس الدستوري لم تصل الى رئاسة المجلس التي تولّاها جبيلي، فيما اقتصرت حصة عون على تسمية عضو او اثنين. ويسجَّل ايضا موافقة وزراء التيار الوطني الحر في الحكومة السابقة على تعيينات قضائية، ثم إعلانهم عدم رضاهم عن الأسماء المعيَّنة.
قد يتكرر الأمر نفسه الآن، في حال تمسّك رئيس الجمهورية بتسمية رئيس مجلس القضاء، وبالتالي قد يكون القرار القضائي مشتركا بينهما، أو قد يكون محل اشتباك بين… العمادَين!
مرّة جديدة، يجد رئيس الجمهورية نفسه أمام اختبار لقدرته على تعيين رئيس مجلس القضاء الاعلى، فهل سينجح في هذا الاختبار ويثبّت أولويته؟