كتبت ليندا عازار في صحيفة "الراي" الكويتية: "… في السياسة خُطفوا في 23 اذار الماضي في المنطقة الصناعية في زحلة (البقاع) خلال عودتهم عبر دراجاتهم الهوائية من سوريا، وفي السياسة ايضاً اُطلقوا بعد 114 يوماً على العملية التي لم تُقرأ يوماً على انها أمنية الا في الشكل".
هكذا اختصرت دوائر مراقبة في بيروت "النهاية السعيدة" (انسانياً) لما عُرف في الاشهر الماضية بـ"قضية الاستونيين السبعة" الذين أطلقوا من دون اي مقابل "مادي" في منطقة سهل الطبية شمال بريتال (بعلبك البقاع) قبل ان يُنقلوا الى مقر السفارة الفرنسية في العاصمة اللبنانية ليصطحبهم بعدها وزير خارجية بلدهم الى وطنهم الأمّ.
ومع إسدال الستارة على هذا الملف في شقّه الانساني، ارتسمت بقوة علامات الاستفهام حول ملابسات وتوقيت "تسريح" الرهائن "طوعاً" من الجهة الخاطفة التي بقيت على مدى الاشهر الاخيرة مجهولة رغم التأكّد من هوية "العصابة بالايجار" (مجموعتا درويش خنجر ووائل عباس) التي تولّت خطف الاستونيين لمصلحة جهة ثانية لم تنجح الاجهزة الامنية اللبنانية رغم توقيف 9 من المشاركين في العملية في حسم هويتها، وإن كانت أنجزت "رسماً تشبيهياً" لها من خلال رصد البريد الإلكتروني الذي أرسلت منه أشرطة مصوّرة للمخطوفين والجزم بأن مصدر البريد هو دمشق "بالشارع والمبنى والطبقة حيث بُث شريطان، اضافة الى تحديد اسم المالك ورقم هاتفه"، وسط ترجيحات متقاطعة بأن السبعة كانوا نُقلوا الى خارج لبنان بعيد خطفهم.
وقد لاحظت دوائر قريبة من 14 آذار ومتابعة لهذه القضية عن كثب ان إطلاق الاستونيين، وإن كان جاء نتيجة مفاوضات تولتها استونيا مع جهة رفضت كشفها، هي التي كانت اوكلت الى فرنسا متابعة الملف نظراً الى عدم وجود سفارة لها في بيروت، جاء في لحظة سياسية لا يمكن الا التوقف عندها، وهو ما أعطى الإفراج عن السبعة رمزية كبيرة جعلته بمثابة عملية "إصابة لعصفورين بحجر واحد" بمعنى انه شكل "هدية" الى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من جهة ووجّه من جهة أخرى رسالة حسن نية من سورية الى اوروبا.
وبحسب هذه الدوائر، فإن حكومة ميقاتي التي سدّد لها زعيم المعارضة سعد الحريري ضربات قوية في إطلالته التلفزيونية الاخيرة والتي انطلقت وسط "نقزة" غربية من "بنك اهدافها" لاسيما في ما خص ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وسبل تعاطيها مع مذكرات التوقيف التي اصدرتها بحق اربعة من "حزب الله" في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، كانت بحاجة الى bonus سياسي بلباس امني يشكل نوعاً من "علامات الاستلحاق" التي تتيح لها تحسين صورتها امام المجتمع الدولي الذي يضعها تحت مراقبة "لصيقة"، وهو ما جعل "وليّ الخطف" يجيّر لها الاستفادة من ايجابيات "تحرُّر" المخطوفين.
وفي موازاة الشق اللبناني من عملية الإفراج التي وصفتها هذه الدوائر بانها ذات نكهة «مخابراتية»، ركّزت على البُعد السوري لهذا التطور الذي بدا برسم فرنسا بالدرجة الاولى ومن ورائها اوروبا والولايات المتحدة. واذ تذكّر الدوائر نفسها بأن إطلاق الرهائن حصل في يوم العيد الوطني الفرنسي، تشير الى «الضرر الهائل» الذي لحق بالنظام السوري جراء التعرُّض لسفارتيْ اميركا وفرنسا في دمشق والذي استوجب اعتماد «ديبلوماسية التراجع» من وزير الخارجية السوري وليد المعلّم، لاحظت ان دمشق كانت بحاجة الى توجيه رسالة «حسن نية» الى فرنسا، التي تقود «عربة» نفض اليد من النظام السوري على خلفية قمعه الاحتجاجات في بلاده وتوفير النصاب لإصدار قرار يدينه في مجلس الامن، وبالتوازي الى الولايات المتحدة التي كانت صعّدت غداة الهجوم على السفارتين (الفرنسية والاميركية) لهجتها حيال الأسد «الذي يمكن الاستغناء عنه والذي فقد شرعيته».
واذا كان توقيف التسعة من عصابة «التنفيذ» ثم تحديد امكنة بث شريطيْ فيديو عرضا على الانترنت للمخطوفين اعتُبرا انجازاً امنياً نوعياً للأجهزة اللبنانية لا سيما «فرع المعلومات» في قوى الامن الداخلي، فان غياب الاجهزة الامنية اللبنانية عن عملية الافراج التي اكد وزير الداخلية مروان شربل «اننا واكبناها عن بُعد كي لا نخرب الامور»، والأهم عدم نجاح هذه الاجهزة في تحرير الرهائن الاستونيين بنفسها وتالياً تحديد الخاطفين «الأصليين» يجعل من غير الممكن الحديث عن إنجاز كامل بدت الحكومة الجديدة «سعيدة به» وبـ «أبوّته».
وكانت عمليّة تسليم الاستونيين في سهل الطيبة حصلت قرابة الخامسة من فجر امس بعدما تبلّغ الجانب الاستوني بذلك خلال المفاوضات التي أجراها مع جهة لم يكشفها، علماً ان مصادر أمنية ذكرت إن الإفراج عن السبعة تم بعد «مفاوضات واتصالات قامت بها جهات فرنسية وأستونية مع الخاطفين أو وسطاء على علاقة بهم». وقد نقل الجانب الاستوني الى الجانب اللبناني ان إطلاق رعاياه سيحصل في البقاع من دون ان يعطي تفاصيل تتعلق بمكان الإخلاء لان الخاطفين اشترطوا عدم وجود اي جهاز امني لبناني. ومع ساعات الصباح الاولى انتقل وفد امني فرنسي وآخر استوني بسيارات ذات زجاج داكن الى سهل الطيبة حيث تسلموا المحرَّرين، من دون ان يتضح اذا كانوا تُركوا لوحدهم او ان اياً من الخاطفين كان لا يزال برفقتهم.
وبعدها تم نقل السبعة باربع سيارات رباعية الدفع الى مقر السفارة الفرنسية في بيروت، حيث وصلوا وكانوا بصحة جيدة ولكن بحال مزرية على صعيد النظافة واللباس. وكان اول عمل قاموا به في السفارة هو الاستحمام وتناول الطعام والنوم لبعض الوقت، قبل ان يطلوا من على شرفةٍ ليحيوا الصحافيين الذين احتشدوا في محيط السفارة.
وقد زار الاستونيين وزير الداخلية اللبناني يرافقه المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي. واوضح شربل ان عملية الإفراج تمت «بفضل الجهود الأمنية السابقة والحالية والتعاون مع الدول الأوروبية وعلى رأسها الدولة الفرنسية»، موضحاً «ان التحقيقات بعملية الخطف ستُتابع وهناك 9 موقوفين بالقضية بينهم سبعة تم القبض عليهم غداة العملية في مارس الماضي»، ونافياً «ان تكون هناك فدية مالية قد دفعت مقابل الافراج عنهم».
وبعد الظهر، انتقل الاستونيون للقاء قاضي التحقيق العسكري فادي صوان حيث استمع الى افاداتهم في محاولة لكشف هوية الخاطفين والاماكن التي احتُجزوا فيها، واذ كان تم نقلهم اكثر من مرة او اذا كانوا بقوا في لبنان ام لا.
وقبيل وصول وزير الخارجية الاستوني أورماس باييت الى بيروت ليل امس لاصطحاب المحرّرين، أكد «ان الإفراج عن سبعة سياح استونيين كانوا قد خطفوا في لبنان تم بفضل التعاون بين لبنان واستونيا وشركاء اخرين»، متحدثاً عن «ترتيبات تحصل لعودة الاستونيين الى ديارهم»، وموضحا انهم «بصحة جيدة».
اما السفير الفرنسي في بيروت دوني بييتون فعبّر «عن شعورنا المشترك بالسرور حيال النهاية السعيدة لقضية الاستونيين والذي جاء نتيجة التحقيقات التي جرت»، موضحاً انه «منذ وقوع عملية الخطف وبناء على طلب استونيا قدمنا دعما ديبلوماسيا وماديا وبطريقة شفافة جدا ازاء السلطات اللبنانية اي اضطلعنا بدور المرافقة الودية للديبلوماسية الاستونية».
وكان لافتاً ما ذكره موقع "القوات اللبنانية" الالكتروني من ان الجيش السوري نفّذ بعد ساعات على الإفراج عن الأستونيين، انتشارا على طول الحدود السوريّة مع لبنان من الهرمل حتى عكار، وعمد إلى إقفال جميع المعابر غير الشرعيّة.
وكانت حكاية الاستونيين المخطوفين التي امتدت طوال ثلاثة اشهر وثلاثة اسابيع شهدت المحطات البارزة الآتية:
* تبني "حركة النهضة والإصلاح" غير المعروفة عملية الخطف "الكترونياً" في 31 اذار، قبل ان تعود في 6 نيسان الى "الظهور الكترونياً" من خلال رسالة جديدة اكّدت فيها "أنّ الاستونيين بحالة جيّدة ونطلب فدية ماليّة".
* في 11 نيسان، اتخذ هذا الملف بُعداً يمكن وصفه بأنه "دراماتيكي" مع "اغتيال" المؤهل الاول في فرع المعلومات راشد ايوب صبري (مواليد 1964 في مجدل عنجر البقاعية) الذي اشارت معلومات الى انه يتولى التحقيق في القضية، و"تصفية" المدعو درويش خنجر على يد وائل عباس ومحمود حمود المعروف بـ"محمد ظريفة"، الفاريْن من وجه العدالة واللذين يُعتبران "رأس" الشبكة التي قامت بخطف الاستونيين لمصلحة جهة أخرى.
* في 20 نيسان أطلّ الاستونيون للمرة الاولى في شريط فيديو نُشر على موقع "يوتيوب" مناشدين "(رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني آنذاك) سعد الحريري، والملك السعودي عبدالله (بن عبدالعزيز)، والملك الأردني عبدالله (الثاني)، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أرجوكم افعلوا أي شيء لمساعدتنا للعودة إلى الوطن".
* في 18 ايار ذكرت "الراي" ان السلطات اللبنانية زودت الجانبين الاستوني والفرنسي، معلومات امكن الحصول عليها بعيد بث شريط 20 نيسان، مشيرة الى انه تم تحديد مصدر الشريط في دمشق والشارع والمبنى والطبقة حيث بث، اضافة الى تحديد اسم مالك الشقة ورقم هاتفه، لافتة الى ان هذه المعلومات صارت في حوزة الجانبين الاستوني والفرنسي اللذين سارعا الى الاتصال بالسلطات السورية والطلب منها التحقيق في تلك المعلومات لفحص صحتها.
* في 21 ايار تم بث شريط جديد للاستونيين، وسرعان ما تمكّنت السلطات الاستونية واللبنانية مرة جديدة من تحديد مكان إرسال الشريط في دمشق. ولكن من مبنى مغاير للمبنى الذي أرسل منه شريط 20 نيسان.
* وقبل ثلاثة اسابيع تلقى اهالي المخطوفين شريطاً على بريدهم الالكتروني الخاص يُظهر الاستنونيين بصحة جيدة.