كتبت رلى موفّق في صحيفة "اللواء": بدت عملية الإفراج عن الأستونيين السبعة أمس "هدية سياسية"، من قبل الخاطفين، لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي مع انعقاد أوّل جلسة لمجلس الوزراء. فتوقيت العملية يَشي بأنها هدية للاستثمار الخارجي، تستفيد منها الحكومة في تلميح صورتها حيال المجتمع الدولي. ذلك أن محاولة الاستثمار الداخلي معدومة نظراً إلى إحباط الأهداف السياسية التي كانت كامنة وراء خطف الأستونيين في الثالث والعشرين من آذار الماضي. وهو ما وفّره نجاح الأجهزة الأمنية في كشف الجهات المنفّذه للخطف وتوقيف عدد من المشاركين، وما كشفته المتابعات الأمنية بنقل المحتجزين إلى خارج الأراضي اللبنانية، وتمكّنها من تحديد مصدر بث شريط الفيديو للمحتجزين في دمشق، والشارع والمبنى واسم صاحب الشقة ورقم هاتفه، حيث تم إبلاغ السلطات الفرنسية والأستونية بنتائج التحقيقات اللبنانية آنذاك. وأعطت الأجهزة الأمنية اللبنانية، ولا سيما فرع المعلومات الذي ساهم في كشف جوانب كثيرة من العملية، صدقية وتقديراً لدى الجهات الغربية المعنية.
فانكشاف العملية وأدواتها، في رأي قوى المعارضة، عطّل أهدافها السياسية بغض النظر عن مضمون هذه الأهداف، وجعلها "ورقة محروقة"، محولاً المحتجزين إلى "بضاعة منتهية الصلاحية"، لا بل أضحت لاحقاً عبئاً على الجهات الراعية لعمليات الاختطاف في ظل اهتزاز الوضع السوري على وقع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها سوريا وتعرّضها للضغط الدولي.
على أن بعض المراقبين يذهب إلى الاعتقاد بأن عملية إطلاق سراح الأستونيين السبعة، والتي كانت فرنسا تعمل على خط الإفراج عنهم، ربما شكّلت في هذه اللحظة السياسية السورية رسالة "حسن نوايا" تجاه فرنسا، بعدما ذهبت القيادة السورية بعيداً في مواجهة المجتمع الدولي، حين أطلقت العنان للمتظاهرين المؤيدين للنظام بالاعتداء على السفارتين الفرنسية والأميركية في دمشق على خلفية زيارة كل من السفيرين الفرنسي والأميركي إلى حماه يوم الجمعة الماضي، وهو ما آل إلى استياء دولي حمل مجلس الأمن على استصدار بيان رئاسي يُحمّل الحكومة السورية مسؤولية حماية البعثات الدبلوماسية وخرقها لاتفاقية فيينا في هذا الصدد، وإلى ارتفاع حدة اللهجة الدولية حيال دمشق، ولا سيما من قبل باريس وواشنطن. لكن "طريقة إخراج" العملية تؤشّر إلى فقدان الجهات الراعية قدرتها على التوظيف السياسي لهذه الورقة، إذ جرى الإفراج عن المحتجزين تحت جنح الظلام في منطقة بعلبك، ليعمل هؤلاء على الاتصال بالسفارة الفرنسية لتأمين نقلهم إليها.
ومما لا شك فيه أن خروج المحتجزين الأستونيين إلى الحرية يُريح لبنان من أعباء قضية حَمَل في النتيجة وزرها، رغم إدراك الدول المعنية بها لخفاياها وأهدافها، لكنه في آن يضع على الحكومة الميقاتية مسؤولية كشف ما جرى، وعدم العمل على لفلفة القضية، ولا سيما أن هناك موقفين فيها. وإذا كانت الأجهزة الأمنية آثرت سابقاً عدم كشف ملابساتها حفاظاً على سلامة المحتجزين ومنعاً للإضرار بالجهود الأستونية والفرنسية، فإن الرهائن أضحوا اليوم أحراراً وفي بلادهم، مما يعطي هذه الأجهزة الإمكانية لكشف ما حصل خلال الأشهر الأربعة الماضية، وما توصلت إليه التحقيقات، لجهة مَن خطّط ودبّر ونفّذ هذه العملية التي أريد لها يومها أن تُربك الوضع الأمني وتُعيد خطف الأجانب سلاحاً للاستخدام في لعبة التجاذبات الإقليمية والدولية الساحة اللبنانية مسرحاً لذلك، لولا لم يَفت الجهات الراعية أنّ زمن الحرب الباردة قد انتهى، وأن عالم الاتصالات والتقنيات شهد ثورة وتقدماً كبيراً غيّر أساليب العمل، وأتاح قدرات لم تكن متوفرة في السابق للأجهزة الأمنية اللبنانية.
وإذا كانت الدولة اللبنانية غائبة ومُغيبة في عملية الإفراج، فإن الساعات الخمس التي استمع فيها قاضي التحقيق العسكري فادي صوان إلى المُفرج عنهم والذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين سنة، والتي تركزت على ظروف خطفهم واحتجازهم وتفاصيل العملية، أكدت، رغم ندرة المعلومات التي تسرّبت، أن العملية تمّت على أيدي أشخاص محترفين، وكشفت أن عملية "الخطف والإخفاء" لم تتعد الساعتين، وأن المخطوفين الذين عُصبت أعينهم لم يتعرضوا لأي أذى جسدي ما دفعهم إلى الاقتناع بأن القضية برمتها تتعلق بـ"ثمن مطلوب دفعه" لا يعرفون ما إذا كان سياسياً أو غير سياسي.
والصعوبة التي واجهها التحقيق مع الأستونيين السبعة كمنت في عدم قدرتهم على تحديد لهجة الخاطفين لجهلهم باللغة العربية عموماً وباللهجات المناطقية خصوصاً.
وفُهم من مصادر أمنية مطلعة أن الشبكة التي نفّذت عملية الخطف تضم إضافة إلى لبنانيين وعرب، جنسيات غير عربية. ولا بدّ أن التحقيق، إذا ما توغل عميقاً، سيكشف مزيداً من الحقائق المثيرة.
فهذا الحدث الأمني – السياسي لا ينتهي مع عملية الإفراج، ذلك أن الأستونيين الذين عادوا إلى بلادهم سيتطرقون إلى تفاصيل الأشهر الأربعة في الأسر، الأمر الذي سيكشف الكثير من الخبايا والأسرار، وهو من شأنه أن يُحرج أكثر الجهات اللبنانية المعنية إذا لم تمض في هذا الملف حتى النهاية، ولم تُعلن للرأي العام حقيقة ما جرى بعيداً عن لعبة توزيع الأدوار أو الاتهامات أو تَصارُع الأجهزة، فهل تنجح في هذا الامتحان؟.