كتب جعفر العطار في صحيفة "السفير": طُويت فجر أمس الصفحة الأولى من قضية اختطاف الأستونيين السبعة، الذين تم اختطافهم في 23 آذار الفائت من أمام المدينة الصناعية في زحلة، إثر تسلّم السفارة الفرنسية في بيروت الرهائن السبعة من سهل الطيبة البقاعي، في قضاء بعلبك، ثم تسليمهم لوزير خارجية استونيا الذي وصل ليلاً إلى لبنان ليقلّ الرهائن إلى بلادهم، بعد رحلة بوليسية طويلة.. حملت الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام.
وفيما طغى الغموض على تفاصيل الصفقة والمفاوضات الأخيرة التي جرت بين السفارة الفرنسية والجهة الخاطفة، التي أكدت مصادر أمنية أن سبعة (لبنانيين وسوريين وفلسطينيين) من أفرادها (بينهم العقل المدبّر و. ع.) لا يزالون خارج الأراضي اللبنانية، علمت "السفير" أن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، كانت قد توصلت في الساعات الأخيرة الى تحديد مكان وجود الأستونيين السبعة، وكانت تتداول مع قيادة الجيش، في تحديد ساعة الصفر من أجل اقتحام المكان وإطلاق سراحهم، غير أنها فوجئت بالفرنسيين يلتفون على كل الجهد الاستخباراتي اللبناني، في عملية بدت فصولها منسقة بين أكثر من جهاز استخباراتي وستترك علامات استفهام حول ظروفها وتوقيتها وأهدافها الحقيقية.
واللافت للانتباه أن "فرع المعلومات" كان أيضا بصدد نصب كمين محكم للخاطفين، في أثناء تسليمهم للرهائن فجر أمس، غير أن السفارة الفرنسية رفضت ذلك رفضاً قاطعاً، خصوصاً أن الخاطفين اشترطوا غياب القوى الأمنية عن مسرح تسليم الرهائن، في سهل الطيبة، مهدّدين بقتل الرهائن واستهداف الموكب الفرنسي بقذائف "آر. بي. جي".
وعلمت "السفير" من مصادر أمنية واكبت عملية تسليم الرهائن، أن الخاطفين وصلوا فجراً إلى سهل الطيبة أتين من نقطة قريبة جدا من الأراضي السورية، في رحلة استغرقت 25 دقيقة عبر طريق الجرد، إثر اتفاق أُبرم بعد منتصف ليل الأربعاء مع السفارة الفرنسية، عبر اتصال هاتفي وردها من أستونيا.
وعند الخامسة والربع من فجر أمس، شاهد الطاقم الموفد من السفارة الفرنسية الرهائن السبعة، مرميين على بعد مئات الأمتار من موكب السفارة في السهل. وفيما توزع الرهائن على سيارات الموكب الأربع، تولت الأجهزة الأمنية اللبنانية رصد الموكب وحمايته، من بريتال إلى زحلة، مروراً بضهر البيدر وصولاً إلى السفارة الفرنسية في بيروت، حيث أطل الأستونيون من شرفتها قرابة الثانية من بعد الظهر، وقد بدوا ملتحين وباسمين. وأمسكوا بأيدي بعضهم البعض وانحنوا جميعا اكثر من مرة امام عدسات المصورين الصحافيين وكاميرات التلفزيونات اللبنانية والعربية والعالمية.
يذكر أن الرجال السبعة الذين تتراوح اعمارهم بين الثلاثين والاربعين هم: كاليف كاوسار، اندريه بوك، ماديس بالوجا، جان جاغوماجي، بريت ريستيك، اوغست تيلو ومارتن متسبالو.
وكشف مصدر أمني أن الخاطفين اشترطوا على المخطوفين والسفارة الفرنسية، عدم إدلاء الرهائن المحررين بأي معلومات مهما كان شأنها، مهدّدين المفاوضين بعبارة، ينقلها مصدر أمني، كالتالي: "حفاظاً على سلامتكم، أخبروا الأجهزة القضائية أنكم كنتم صمّ بكم، وإلا فأنتم تعرفون أننا نستطيع قتلكم، وليس اختطافكم مرة أخرى".
وفي حين اعتبر وزير الداخلية مروان شربل أن عملية الإفراج عن الرهائن كانت بمثابة نهاية سعيدة، فقد أفرزت عملية الأمس علامات استفهام عريضة: ما هو السبب الرئيسي لعملية الاختطاف؟ هل هو مالي أم سياسي؟ أين مكث الخاطفون والرهائن، ولماذا؟ ما هي الصفقة التي جرت بين الخاطفين والمفاوضين؟ هل تؤدي "صعوبة" القبض على بقية أفراد المنظمة إلى تشجيع منظمات أخرى على تنفيذ عمليات مشابهة؟
كخيط أول للإجابة عن الأسئلة أعلاه، تجزم مصادر أمنية بأن عملية تسليم الرهائن لم يتخللها تسليم السفارة للخاطفين أي حقيبة يد، خصوصاً أنهم لم يواجهوهم أصلاً، بل اكتفوا بتوصيلهم إلى السهل والمغادرة فوراً.
وتؤكد المصادر أن التحقيقات مع الموقوفين، أفضت إلى خلاصة مفادها أن الخاطفين طُلب منهم اختطاف شخص واحد أوروبي (تحديداً فرنسيا)، أو اثنين كحد أقصى، من دون معرفتهم الأسباب الرئيسية للعملية، فأوكلت المهمة إلى ابن مجدل عنجر (و. ع.)، الذي بدوره شكّل المجموعة المنفذة، لقاء مبلغ مالي.
وتستبعد المصادر أن يكون لتنظيم "القاعدة" أي دور في العملية، مشيرة إلى أن الخاطفين غادروا ـ مع الرهائن ـ الأراضي اللبنانية بعد 48 ساعة من عملية الاختطاف، نحو الأراضي السورية.
وفيما توقعت أكثر من جهة أمنية رسمية أن يكون الخاطفون قد حصلوا على مبلغ مالي كبير، فقد أكد مصدر موثوق أن الجهة الخاطفة كانت تعوّل على مطالب سياسية، رافضاً الخوض في تفاصيل اضافية.
واعتبر المصدر أن ثمة جهات لبنانية حاولت التعتيم على هوية الخاطفين، تسهيلاً لتحقيق مآرب العملية، مشيراً إلى أن جهة رسمية في الدولة حجبت "داتا" الاتصالات عن "فرع المعلومات" الذي كان قاب قوسين أو أدنى، على حد قول المصدر، من تحديد مكان الأستونيين السبعة.
وتسلّح المصدر بموقف وزير الداخلية، الذي صرّح بأن جهود فرع المعلومات أسهمت في تحرير الرهائن، لافتاً إلى أن الوزير ضابط أمني، وهو بالتالي يدرك الخطوات التي نفذها طاقم الفرع، ومن بينها استشهاد المؤهل أول راشد صبري في 11 نيسان الفائت، خلال مطاردته درويش خنجر في مجدل عنجر، بسبب اشتباه الفرع في ضلوع خنجر بعملية الاختطاف، والذي تبيّن لاحقاً أنه بريء منها، علماً بأنه مطلوب بمذكرات توقيف.
وكشف مصدر أمني عن أسلوب اعتمدته القوى الأمنية، قضى بالتفاوض غير المباشر مع الخاطفين، من خلال تسريب بعض المعلومات عن تحركات الخاطفين لوسائل الإعلام، في أسلوب تعتمده عادة أجهزة الاستخبارات الأميركية في الحالات المشابهة، يكون القصد منه توجيه رسالة واضحة للخاطف: "انتبه، فنحن على دراية بكل تحركاتك، وسنلاحقك حتى اللحظة الأخيرة، مهما كلّف الأمر".
وكشف المصدر أن "فرع المعلومات"، تمكن في أثناء التحرّك الأخير الذي قام به الخاطفون فجراً، من التوصل الى معطيات ستساهم في تعقّب (و. ع.) والأفراد الستة المتوارين عن الأنظار "وهذه ليست مجرد رسالة صباحية إليهم".