#adsense

اللقاء التشاوري

حجم الخط

لست هنا في معرض التدخّل في الشؤون السورية، وما سوف تؤول أليه الأحوال من ترسيخ للنظام القائم أو أسقاطه أو أجراء تعديلات عليه. فهذا شأن سوري محض، وهو ملك للسوريين فقط. غير أنّ نظرة نقدية أستراتيجية لا بدّ منها، في بعض هذا الخصوص، وذلك للأضاءة على أهميّة ما يجري من جهة، ولتبيان ما لبعض التصريحات أو البيانات من جدوى على مسار الحراك الشعبي وغائيّاته.

من هنا، ينبغي استعراض ما تضمّنه البيان الختامي للقاء التشاوري الذي عقد أخيرا في دمشق، بالتركيز على السابقة التي يشكّلها في الحياة السياسية المعهودة في سوريا. وبغضّ النظر عن موقف المعارضين في الداخل والخارج، الذين رفضوا المشاركة في هذا اللقاء كما في لقاءات أخرى، قبل أن يعمد النظام الى الافراج عن المعتقلين وسحب القوات المسلّحة من الشوارع والمدن، وبغضّ النظر أيضا عن الأسماء المشاركة في اللقاء التشاوري وارتباط بعضها بالسلطة أو بغيرها من المرجعيّات، لا بدّ من التوقّف عند بعض البنود التي تضمّنها البيان الختامي للقاء المذكور.

يقول البيان: "… الأنتقال الى دولة ديمقراطية…"، وهذا يعني نقلة نوعيّة الى تثبيت حكم الشعب، فالديمقراطية هي أعطاء الشعب حق اختيار النظام الملائم، وتعيين الحكم الذي يراه أهلا لممارسة السلطة التي تعمل بهدي من مصلحة الشعب وأهدافه.

من هنا تتيح الديمقراطية للشعب حق التقرير النهائي لمستقبله. والأهم أن الديمقراطية تلغي النظام الآحادي أو الديكتاتوري المقنّع بحيث تحتكر يد واحدة جميع السلطات. ويتابع البيان: "…تعدّديّة.."، مشيرا بوضوح الى ضرورة ألغاء الفصل الثامن من الدستور الذي يجعل الممارسة السياسية. محصورة في حزب البعث الحاكم من دون غيره من الأحزاب والتنظيمات التي واجهت الحظر الفعلي، بالرغم من بروباغاندا الممسكين بقوّة بالقرار السياسي من أنّ بعض هذه الحيثيّات يمارس نشاطا سياسيا (في كنف "البعث"). وهذا يعني تفعيل الحياة الحزبية والسياسية على مساحة القاعدة الجماهيرية، وأطلاق حرية نشوء أحزاب متعدّدة الأتّجاهات العقائدية وصاحبة برامج سياسية واجتماعية واقتصادية متنوّعة، وتمكين النخب الساعية، من خلال تفاعلها وطروحاتها،الى نشر زخم رائد في المجتمع ينقله من التخلخل والهشاشة الى حيّز التنافس السياسي الراقي والذي توصل تداعياته الى خدمة المجموع.

ويتحدّث البيان عن "… حقوق وحريات جميع المواطنين السوريين…"، وهذا يعني أنّ الحريّة حق مقدّس يكفل للمواطن ممارسة حقوقه كاملة، هذه الحقوق التي تجعل منه انسانا كريما ذا قيمة اجتماعية قادرة على التفاعل والعطاء. والحرية مناخ يشيعه النظام السائد، فعلا لا أعلانا، فاذا كان الدستور السوري يتضمّن في متنه أشارات الى الحريّات – ولا سيّما في الفصل الرابع منه – غير أنّ الممارسة خلال العقود المنصرمة، وحتى الساعة، تظهر وبوضوح التناقض الفاضح بين التنظير والتطبيق. والحق يعني أيضا حرية التعبير وأطلاق المواقف السياسية من دون أن تتمّ ملاحقة المعارضين، والزجّ بهم في السجون والمعتقلات بتهم ملفّقة. أي تحييد رقبة الأعلام الحر عن مقصلة السلطة. واللافت في هذا المجال، أنّ المرسوم التشريعي رقم 45 والصادر في العام 1966 كان منع تربية الحمام الزاجل، ولمّا يزل هذا المرسوم معمولا به حتى الساعة ( لربّما هو أكثر خطرا من البريد الألكتروني وشبكة الأنترنت).

وتحدّث البيان عن "… العدالة والمساواة بين جميع المواطنين…"، أي أنّ المواطنين متساوون امام القانون تبعا لمعادلة الحقوق والواجبات. والعدالة تعني احترام قوة الحق لا حق القوة، وهي (أي العدالة) حق مشروع لكل مواطن من دون منّة رسمية، والضابط الأمتن لمفهوم المواطنة، والمدماك المؤسّس للمجتمع المدني وتطوره. والعدالة بحاجة الى ثقافة المساواة التي تنمّي الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، فمن دونها، أي في ظلّ خضوع الفرد للقهر والظلم والتمييز والطبقية، لا جدوى من الحديث عن عدالة أيّا يكن شكلها.

إنّ هذا الكمّ المفيد والمتقدّم من الطرح الأصلاحي ليس غريبا عن مجتمع يضمّ نخبا متنوّرة، متحفّزة الى تحقيق نقلة نوعية الى الديمقراطية واحترام حقوق الأنسان. أمّا العبور الى الأصلاح فيقتضي وجود حكم صالح يؤمن بأنّ المواطن ليس رقما بل هو كيان قيمي له الحق في الكرامة والحياة، وبأنّ المواطنين ليسوا مسرحا مصفّقا يستدرّ ابتسامة الحاكم بل هم رأي عام نيّر له آمال وتطلّعات يكفلها الدستور. أمّا أذا تغاضى الوالي عن هذه الحقائق، وبقي الحكم أداة استغلال للنافذين والمحسوبين، واعتبر ما تضمّنه البيان الختامي صرخة في واد، فمن يحمي النظام أذا من جحيم الأنهيار؟
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل