كشف مصدر فرنسي أن عملية إسترداد المعتقلين الأستونيين السبعة، والتي كانت حصيلة عملية مفاوضات شاقة قادتها الإستخبارات الفرنسية، إنتهت بعد دفع فدية قيمتها نحو ثلاثة ملايين دولار.
وشرح المصدر لصحيفة "اللواء" ان "الفدية لم تكن في الأساس بين مطالب الخاطفين، الذين حددوا في البداية شروطاً سياسية عالية السقف، تتصل بالوضع في ليبيا، غير أن التطور الدراماتيكي في الأوضاع الميدانية والتحول الجذري السريع الذي طرأ على طبيعة الأزمة (في ليبيا) أخرج عملية الخطف من سياقها ونزع أهدافها، بحيث تحولت الى ما يشبه العبء على الخاطفين.
ويشير المصدر الى أن عملية الخطف في 23 آذار 2011 جاءت بعد أيام قليلة على تبني مجلس الأمن الدولي للقرار 1973 في 17 آذار 2011 والذي يفرض حظراً جوياً على ليبيا ويجيز توجيه ضربات عسكرية ضد القوات العسكرية لنظام العقيد معمر القذافي.
ويقول المصدر الفرنسي أن الخاطفين وهم فصيل فلسطيني معروف بإرتباطاته الاقليمية (في إشارة الى الجبهة الشعبية – القيادة العامة) ما لبثوا أن سعوا لتوظيف عملية الخطف لإنتزاع موقف أوروبي لا يزعج سوريا بشأن الأزمة التي يواجهها النظام مهددين بتسليم المخطوفين الى فصائل إرهابية في العراق.
وذكّر المصدر أن وزير الخارجية السورية كان قد عرض مساعدة بلاده في ملف الأستونيين في العشرين من نيسان الماضي بالتزامن مع توزيع الخاطفين شريط فيديو للمخطوفين السبعة يناشدون فيه قادة السعودية والاردن وفرنسا ولبنان التدخل لإطلاق سراحهم، أي بعد مرور نحو خمسة أسابيع على إندلاع الإنتفاضة السورية وإتخاذها أبعاداً غير مسبوقة فاجأت النظام والعواصم الدولية التي كانت بدأت في تلك الأثناء إتصالاتها لدراسة الخيارات حول سوريا ومنها فرض العقوبات على نظام الرئيس بشار الاسد.
ويؤكد المصدر لـ"اللواء" أن "الإرتباك والفوضى الكبيرين في إدارة الخاطفين للأهداف السياسية للعملية وتقلب هذه الاهداف عطل قدرتهم الإبتزازية وفضح الكثير من المعطيات حول هويتهم وإرتباطاتهم بما سهل عملية التفاوض معهم وإنتهائها الى النتائج التي أفضت اليها…".
وعن نفي السلطات الفرنسية القاطع لمسألة الفدية، يقول المصدر: "لطالما كانت الفدية يتيمة بلا أب ولا أم، مشيراً الى أن "الأرقام حول ما يمكن تسميته بإقتصاد الفدية في بلد مثل العراق يمكن أن تحدث صدمة لو وضعت في تصرف الناس لا سيما أن جزءاً من هذه الاموال يدفعها المكلف الغربي من جيبه".
الى ذلك أكد المصدر ان المفاوضين الفرنسيين رفضوا بشكل قاطع أي شراكة مع الجانب اللبناني في إدارة هذه الازمة.
كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء":
تحوّل ما صار متعارفا على وصفه فضيحة فك اسر الرهائن السبعة الاستونيين، لغزا لبنانيا سياسيا واستخباريا، بالنظر الى ان العملية الاستخبارية المعقّدة انجزت من خارج السيادة اللبنانية ومن دون أي تنسيق و لو غير مباشر مع الاجهزة الامنية اللبنانية المعنية.
في المعطيات الغربية الموثوق بها، التي تنفرد بنشرها "اللواء" والتي يغفل عنها معظم المسؤولين (!)، ان هذه العملية المعقدة امنيا ولوجستيا جاءت ثمرة تعاون استخباري فرنسي – بريطاني – اوروبي، بمشاركة استونية فاعلة ديبلوماسيا وامنيا، لم تكن للبنان فيها أي دراية ما عدا بعض النتف من المعلومات نتجت من تزويد الاجهزة اللبنانية نظيرتها الاستونية ما امكن التوصل اليه من خلال التحقيق مع الموقوفين التسعة في ملف خطف الرهائن.
لكن كيف تبلورت هذه العملية التي تمت بحرفية عالية، بمشاركة سورية (نظرا الى ان الرهائن امضوا فترة من احتجازهم في الاراضي السورية) وبتعاون مع جهة حزبية لبنانية اسهمت بحدّ ادنى في عملية الافراج؟؟؟
في بداية الرواية، ان الجهة التي كلفت مجموعة التسعة (الموقوفين) تنفيذ العملية على طريقة "البندقية بالايجار" التي شاعت في الثمانينات وبرعت فيها جهات لبنانية وفلسطينية، حاولت بداية الامر عقد صفقتين سياسيتين:
-اولى مع تنظيم <القاعدة> (من هنا جاءت تسمية <حركة النهضة والاصلاح> بإيحاءاتها السلفية والاصولية) لبيعه الرهائن، على ان تقبض الثمن لاحقا في اطار خطة للتفاوض مع استونيا ومن خلالها مع باريس باعتبارها العاصمة السياسية لاوروبا، مع الاشارة الى ان لاستونيا حضورا عسكريا وامنيا في افغانستان سعت الجهة الخاطفة الى توظيفه• لكن مقتل اسامة بن لادن والضياع في الهرم القيادي لـ <القاعدة> اجهض الصفقة.
-ثانية مع النظام الليبي، انطلاقا من ان في امكان طرابلس الغرب الافادة جزئيا من ورقة الرهائن في سياق صراعها مع واشنطن وباريس ولندن، وهي التي سبق ان استخدمت في الثمانينات مجموعات فلسطينية لتنفيذ عمليات اختطاف مشابهة في لبنان. لكن التدهور الدراماتيكي للنظام وتآكل سلطته اجهض بدوره اتمام الصفقة.
شيئا فشيئا، تحوّل الرهائن عبئا على الجهة الخاطفة التي صارت بين خيارين: اما المكابرة والاستمرار في العملية الى حين توافر فرصة صفقة ثالثة وهو امر يشتمل على مخاطر جمة خصوصا ان المتابعة الاستخبارية الفرنسية – الاوروبية لمجمل الملف اصبحت في اوجها، واما البحث عن اقرب نافذة خلاص لاقفال الملف. فكانت حادثتا السفارتين الاميركية والفرنسية في دمشق في الحادي عشر من تموز.
في الثالث عشر من تموز، صرح وزير الخارجية السوري وليد المعلم ان هجوم متظاهرين سوريين مؤيدين للنظام على السفارتين الاميركية والفرنسية تتحمله الحكومة السورية. وزاد ان حل الأزمة مع فرنسا وأميركا وفق اتفاقية فيينا، مقرا بأن المتظاهرين <ارتكبوا خطأ بتجاوز حدود السفارتين>.
سبق هذا التصريح بساعات اتصال سوري – فرنسي ايجابي في خصوص الرهائن. فإستشعرت باريس ان كلام المعلم هو الساعة صفر والمنصة التي يمكن الاستثمار فيها لبدء تنفيذ تحرير الرهائن بعد متابعة لوجستية – تكنولوجية طوال الايام الـ 133، من دون معرفة المجموعة الخاطفة التي اطلق عليها تمويها <حركة النهضة والاصلاح> في توقيت كان يراد منه ربط الخطف بالاصولية القاعدية.
لكن التدخل الفرنسي في الملف لم يكن طارئا، اذ ان سبق السلطات الاستونية ان لزّمت فرنسا، بناء على طلبها، مجمل الملف.
بدأت باريس المتابعة من طريقين:
أ-امني – معلوماتي من خلال ما توافر يوم الاختطاف من معطيات امنتها الاجهزة اللبنانية من خلال داتا شركتي الخليوي، بدءا من الاتصال الذي تلقاه احد الرهائن على هاتفه الخليوي في محلة بر الياس، مرورا بتتبع مصدر (IP) الرسائل الالكترونية الثلاث التي ضمت اشرطة الفيديو، والاهم من خلال تتبع مسار العملية من خلال جهاز GPS كان بحوذة رهينة اخرى تبين انه مهندس اتصالات ويشغل مركزا اوروبيا مرموقا.
ب-سياسي – ديبلوماسي من خلال جمهورية استونيا التي كان لرئيس الديبلوماسية فيها دور متقدم لجهة التواصل مع السلطات اللبنانية والسورية، وجهات غير رسمية، في حين كانت مجموعة استخبارية – تقنية استونية رابضة في بيروت منذ بدء الازمة تواكب التفاصيل الديبلوماسية والامنية على حد سواء.
وفّر هذا المساران المتقاطعان المعطيات اللازمة لباريس (بمساندة كاملة من لندن) كي تعمل بهدوء والاهم بعيدا من الصراع التقليدي للاجهزة اللبنانية، على استكمال كل نواحي الملف في انتظار الساعة صفر، بدءا من مكان الخطف، وهو المنطقة الصناعية في زحلة حيث امكن الخاطفين بعد الساعة الخامسة التحرك بحرية وفي مساحة امنية فارغة لاتمام مرادهم، انتهاء بمنطقة التسليم في مكان تفرض عليه الجهة الحزبية اللبنانية سيطرة مطلقة لا ينازعها احد عليها، وبينهما تأمين <منازل آمنة> لاقامة الرهائن.
استثمرت باريس الطريقين والخيوط المتوافرة، وضربت ضربتها صبيحة عيدها الوطني في الرابع عشر من تموز، لتضفي على نجاحها رمزية طالما عشقها عالم الاستخبارات.
"النهار": الاستونيون نقلوا مرتين إلى سوريا أثناء احتجازهم
من جهة اخرى، افادت مصادر مطلعة لـ"النهار" ان الاستونيين السبعة الذين اطلقوا الخميس بعدما خطفوا قبل اشهر قد امضوا فترة احتجازهم التي استمرت نحو اربعة اشهر بين لبنان وسوريا.
وقالت المصادر "ان الخاطفين عمدوا الى نقلهم مرتين الى سوريا حيث كانوا يمضون فترة ليعودوا بهم الى لبنان من جديد الى ان اطلقوا".
وعلى رغم ان مصادر التحقيق نقلت عن الاستونيين قولهم امام القاضي فادي صوان في حضور مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر، انهم كانوا ينقلون الى اكثر من مكان في سيارات ومن دون ان يعرفوا المنطقة الذين هم فيها، ذكر هؤلاء لدى وصولهم الى بلادهم انهم "احتجزوا لفترة في سوريا خلال محنة خطفهم التي استمرت اربعة اشهر".
واكدت المصادر ان اسباب الخطف هي اياها التي سبق ان ذكرت، إذ ان الخاطفين لدى اقدامهم على فعلتهم ظنوا ان غنيمتهم من الفرنسيين او البريطانيين، مشيرة بتكتم الى ان الاسباب تتخطى معرفة المحررين السبعة الجهات التي تولت التفاوض للافراج عنهم.
ويشار الى ان هناك 14 شخصا مدعى عليهم في قضية الاستونيين حتى أمس بينهم خمسة فارين في عدادهم القيم على المجموعة التي يعتقد انها نفذت عملية الخطف وسوري.