#adsense

الحوار له ظروفه وهو اليوم غير ممكن

حجم الخط

السؤال المطروح اليوم: بعدما حسمت 8 آذار مسألة السلاح بالثالوث المدمر للبنان (الشعب والجيش والمقاومة) وبعدما حسم السيد نصر الله موقف "حزب الله" من المحكمة، ماذا يمكن هيئة الحوار أن تبحث؟

لا شك في أن هيئة الحوار مطلوبة من حيث المبدأ كأداة في يد رئاسة الجمهورية وفي إطارها لكي تعطي للرئيس قدرة للاضطلاع بمهماته الدستورية بالسهر على إحترام الدستور وإنتظام الحياة السياسية والوطنية في لبنان، علماً أن مأسسة هيئة الحوار هذه لا تخرج عن روحية إتفاق الطائف من حيث دور الحكم الوازن المنوط برئيس الجمهورية والضرورة في أن يكون هو المرجع الصالح لحل المسائل الخلافية لكي لا تنتقل المرجعية هذه إلى خارج الحدود.
غير أن الدعوة الى إنعقاد هيئة الحوار في الظروف الراهنة وبعد تزوير إرادة الشعب بالترهيب، لا تستقيم إذا كانت صورة طبق الأصل عن جلساتها غير المجدية السابقة.

ولنتذكر أن تلك الجلسات كانت تعقد في ظل موازين مغايرة وأجواء عدم قطيعة ولم يكن التناقض القائم بين 8 و14 آذار قد وصل إلى حد التنافر والعدائية كما هو عليه اليوم. أما قرارات هيئة الحوار وسابقتها لجنة الحوار، فلم تطبق. ومن ثم ظل "المتحاورون" يلتقون في هيئة الحوار دون جدوى ونتيجة عملية، ليس إقتناعاً بجدوى الحوار، إنما لأن التحدث إلى الآخر أفضل من القطيعة كما لمراعاة رئيس البلاد بقصد إستمالته لهذا الفريق أو ذاك.

ولنتذكر أنه في آخر مرحلة حكومة الحريري، لم تستجب 8 آذار لطلبات الرئيس سليمان لعقد هيئة الحوار بغية بحث مسألة المحكمة ومتفرعاتها وإخراجها من مجلس الوزراء المعطل عمداً، أي فصل القضايا الإقتصادية والإجتماعية والإدارية التي يتوجب حلها في مجلس الوزراء عن المسائل الخلافية الوطنية الكبرى التي يجب تداولها في هيئة الحوار.

والمؤسف أن الرئيس لم يتمكن من دعوة هيئة الحوار خلال فترة ستة الاشهر التي إستغرقها تشكيل الحكومة. والمؤسف أيضاً أنه لم يبادر هو والرئيس ميقاتي، إلى تشكيل حكومة وسطيين أو أنهما لم يكونا بالأحرى مقدامين بمسعاهما هذا، حكومة تعنى بالقضايا الإقتصادية والإجتماعية والإدارية في مقابل أن ترحل المسائل الخلافية الوطنية الكبرى إلى هيئة الحوار. كان هذا الأمر ممكناً أقله في الأشهر الأربع الاولى من فترة تشكيل الحكومة.

غير أن السؤال اليوم المطروح اليوم: بعد أن "حسمت" 8 آذار مسألة السلاح عبر بت ما سمي بالاستراتيجية الدفاعية بالثالوث المدمر للبنان، أعني "الشعب والجيش والمقاومة" وبعد أن حسم السيد حسن نصر الله موقف "حزب الله" السلبي من المحكمة ضارباً عرض الحائط الموقف الملتبس والمفخخ أصلاً للحكومة في بيانها الوزاري، ماذا يمكن هيئة الحوار أن تبحث؟!

يا فخامة الرئيس، لا يمكنك بعد اليوم الدعوة إلى عقد جلسة لهيئة الحوار لعدد من الأسباب أهمها:

أولا، لأنهم ويا للأسف أفقدوك وأفقدوا الرئيس ميقاتي صفة الوسطية التي تميزتما بها أقله في نظر الشعب.
ثانيا، لأنكما أصبحتا أسيرين لـ 8 آذار. وكلامي هذا موضوعي لا يهدف إلى التجني عليكما. فـ"حزب الله" وأصدقاؤه يتمتعون بـ 19 وزيراً في الحكومة. وإذا أضيف إليهم وزراء السيد جنبلاط الثلاثة، يصبح عددهم 22. فالقرارات الحكومية في يد "حزب الله" بشكل مطلق وليس بوسعكما إلا المعارضة الشكلية لحفظ ماء الوجه أو للمناورة على المجتمع الدولي، مكره أخاك لا بطل، إذا سمح بذلك من يمسك بالسلطة الفعلية داخل الدولة وخارجها ورأى في هذه المعارضة منفعة له.

ثالثا، لأن مبتغى التحالف الإستراتيجي إيران – سوريا – "حزب الله" من هذه الحكومة هو إدخال لبنان الدولة في فلك هذا التحالف بغية تحقيق ثلاثة أهداف أساسية متفاعلة مترابطة: حماية سلاح حزب الله، التصدي للمحكمة والدفاع عن النظام السوري، مع كل ما تعنيه هذه الأهداف من أخطار جمة سوف يتعرض لها لبنان وأثمان باهظة سوف يدفعها المواطن اللبناني. أما موقف "حزب الله" التكتي، فهو يقوم على تصديه وحلفاءه للمحكمة بصفتها محكمة أميركية – إسرائيلية تستهدف "المقاومة" من خارج إطار الحكومة. كما هو قائم على عدم إحراج هذه الحكومة بالسماح لها بعدم التصدي للمحكمة والتظاهر "بإحترام" القرار 1757 إلى حين يدفعها مسار العملية القضائية الى تعطيلها. بكلمة، يمكن القول ان الدويلة سيطرت على الدولة، تحصنت بها ووضعتها في خدمتها.

من هنا، يتبين أن قبول 14 آذار اليوم بالمشاركة في حوار من أجل الحوار يعني سياسياً أنها قبلت بإضفاء صبغة المشروعية اللبنانية الكاملة على الوضع الإنقلابي الذي خلقه التحالف إيران – سوريا – "حزب الله" بواسطة سلاح الحزب ومن خلال "اللعبة الديموقراطية" الشكلية.

ولنكن صريحين. المشكلة هي بين نظرتين متعارضتين الى لبنان، لا بل متصادمتين. لا يمكن بعد كل ما حصل أن تلتقيا. وقد وصل التناقض بين 8 و14 آذار إلى حد اللاعودة في ظل الظروف والموازين القائمة. فـ"حزب الله" هو منظمة جهادية إسلامية (ذات قاعدة ومعتقد شيعيين) تهدف إستراتيجياً إلى أسلمة العالم وتنظر إلى لبنان كقاعدة إنطلاق لمشروعها الأممي وهي تتوسل "المقاومة المسلحة" سبيلا لمصادمة الإستكبار الأميركي ولتحرير كامل تراب فلسطين وتدمير الدولة الإسرائيلية كخطوة على طريق هدفها الإستراتيجي.

وهي لذلك ضد المجتمع الدولي وأي تسوية في المنطقة وأي سلام عربي مع إسرائيل. وهي تحدد موقفها من أي نظام أو دولة أو منظمة أو قوة حسب موقفها من "المقاومة". وهذا أمر واضح جداً في وثيقة "حزب الله" الأخيرة.
أما خطابها السياسي التكتي واليومي، فيسوده الإلتباس المقصود حيث غالباً ما تستخدم عبارة المقاومة، بحيث يمكن أن يعتبرها البعض مقاومة لبنانية (التيار الوطني الحر ومسيحيو 8 آذار) والبعض الآخر المقاومة الإسلامية في لبنان (وهي تسميتها الحقيقية، وهي تعني إنها جزء من مقاومة أممية مسرح عملياتها هو لبنان ولكن غالباً ما يتعدى حدوده). وهي تبتغي تحرير ما تبقى من أراض لبنانية تحت الإحتلال كما حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية… لضرورات تكتية لإضفاء طابع لبناني على مشروعها الإسلامي ولعدم إخافة قاعدتها الشيعية التي قد تستشعر الخطر من ضخامة أهداف حزبها القائد.

أما القوى السيادية اللبنانية، فمشروعها لبناني ديموقراطي يهدف إلى سيادة وإستقلال لبنان وحرية قراره الوطني وكرامة الإنسان فيه وشعارها "لبنان أولاً" بمعنى إعطاء الأولوية للمصلحة اللبنانية على ما عداها من مصالح عربية أو إقليمية أو دولية دون تنكرها لإنتماء لبنان إلى عالمه العربي وإلتزامه القضايا العربية الكبرى ولا سيما القضية الفلسطينية كما لإلتزامه كل القرارات الدولية، كما مسيرة السلام في الشرق الأوسط.

وهي وإن كانت ضد تدخل لبنان بشؤون الدول العربية الأخرى، لا يمكنها إلا أن تتعاطف مع حركة الشعوب العربية ضد الإستبداد والظلم السياسي والإجتماعي ومع الحرية والعدالة.

لذلك، ومن أجل صون الحرية والكيان اللبناني، لا مجال إلا السعي الجدي لبناء الدولة اللبنانية الحقيقية وليس الشكلية أو الرهينة أو المارقة. وهذا لا يستقيم إلا من خلال حصرية السلاح وحصرية قرار إستخدامه في يد الدولة دون سواها وليس مقبولاً من أي طرف وتحت أية حجة كانت أن يمتلك السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف. فأي سلاح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية هو غير قانوني وغير دستوري.

لذا، برأيي إذا أراد، الرئيس سليمان أن تتجاوب 14 آذار مع دعوته إلى عقد جلسة لهيئة الحوار لا بد أن تخصص هذه الجلسة حصراً لوضع خطة عملية لتحقيق حصرية السلاح وحصرية قرار إستخدامه في يد الدولة.
وفي إنتظار نضوج الظروف لدعوة الرئيس لمثل هذه الجلسة، نتمنى له الصبر والسلوان في سلوكه طريق الجلجلة ولبنان معه. ولكن في النهاية يوم القيامة آت لا محالة وهو ليس بعيداً!

المصدر:
النهار

خبر عاجل