في محادثات سرية نشرت قبل أيام بين الرئيس السابق حسني مبارك وكوندوليزا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) قال مبارك رداً على مطالبة رايس النظام المصري بالقيام بإصلاحات دستورية وديموقراطية "إن الغرب لا يعرف العرب. انتم تجهلون الشعب العربي. الشعب العربي يحتاج إلى قبضة من حديد تحكمه". (هذا الكلام في 2005). هذا ما يقوله "قائد" الجماهير المصرية و"أخوها الأكبر" وأبوها وراعيها. هذا القائد الذي نال 99,99% من أصوات هذا الشعب: "بحرية" و"تفانٍ" و"وفاء" لحكمته و"نزاهته" و"نظافة كفه"… ويعني ذلك أن هذه النسبة "القليلة" كان يجب أن تكون ربما بعُرف المخابرات والبلطجية 100% ، ولكن "المسامح كريم" سجلها المقترعون "خضوعاً لقبضة النظام الحديد. أي ان القبضة الحديد هي التي اتتخبت هذا الرئيس وتتخيل ان هؤلاء الناس، إما جاءوا إلى صناديق المبايعة "مصَفَّدين" بالحديد، أو "مكمّمين بالحديد" أو مسوقين بالحديد، أو مهددين بالحديد… ولا بأس ان لم يأتوا كلهم ليدلوا بأصواتهم، "فالقبضة الحديد" تنتخب عنهم. فهم "لا يساوون" أكثر من ثمن الأوراق التي تودع الصناديق، إذاً فلنملأ الصناديق بالأوراق "المبايعة".. بدلاً من الأصوات. ومن قال إن الأصوات والأفكار والأجسام والآراء والمواقف أهم من الأوراق الرسمية. فالأوراق الرسمية المنقولة بحماية النار والحديد والمخابرات والبلطجية هي التي تصنع الرئيس. أما الناس فليس لهم اكثر من "العِلم والخبر" والموافقة والهتاف والصراخ والاحتفال بالرئيس الذي فاز على شعبه بنسبة كبيرة من الأوراق الوهمية: "بالروح بالدم نفديك يا ريس".
وكلام مبارك والأسلوب "الحضاري" لمبايعته لا يختلفان لا عما يكّنه القادة الآخرون ولا عما يمارسونه: فالشعب العربي في نظرهم قاصر، ومتوحش وأُمّي وقطيع يحتاج إلى "كراز" يقوده بالعصا أو بالسوط أو.. بالمدفع أو بالسجن أو بالقمع أو بتقييد حركته، أو بلجم أي نازع أو دافع ليتصرف "كإنسان"، وعلى هذا الأساس وبالإيمان "العميق" بتصور الأنظمة لطبيعة شعوبها، و"ماهياتها" و"كيميائياتها" وجيناتها، بنيت استراتيجة الأنظمة "الأبدية" عبر تبني اختيار ان هناك "حزباً" واحداً يقود الأمة ومن ثمّ تحوّل الحزب الإلهي إلى "الطائفة" الإلهية لقيادة هذه الأمة ثم توسعت الطموحات "الوطنية" والقومية الصامدة والممانعة لتتسلم "العائلة" المقدسة (الآب والابن والروح القدس من دون أن ننسى الملائكة بالنفير والمخابرات والقتلة) قيادة الأمة. هذه العائلة المعدودة و"الكرام قليل" باتت هي الحزب والنظام والكيان والجيش والحرس والمخابرات والشرطة والاقتصاد والشركات ومجلس الشعب والحكومة والفن والشعر والفكر والتاريخ والجغرافيا. هذه العائلة "الحاكمة" من واجبها التاريخي والانساني (ورأفة بالناس) أن تنتخب هي الشعب بدلاً من ان ينتخبها. وأن تختار هي كيف وماذا ومتى يأكل (إذا أكل) وكيف وماذا ومتى يشرب. (إذا توفر الماء دائماً) وكيف يتعلم، ومتى يتوظف ومتى لا يتوظف. ومتى يحصل على منزل ومتى يبقى شريداً ومتى يكون عميلاً ومتى يكون بطلاً. ومتى يكون خائناً ومتى يكون صالحاً… متى يُهجّر من بيته أو من منطقته ومتى يبقى. متى يُنفى إلى الخارج ومتى "يعود"، متى يُزّج في السجن ومتى لا يخرج أو يخرج أو يعود. إنها العائلة المقدسة، ولأنها من جنس "غير آدمي" و"غير بشري" فيجب أن يكون لها الحق بنهب الثروات (85 بالمئة من الاقتصاد بيد هذه السلالة.. والباقي 15 بالمئة للناس: وهذا كثير عليهم) ….
فالعائلة هي النظام. (نقطة على السطر) وتأسيساً على ذلك فالشعب مجرد "رعية" أو في أفضل الأحوال "قطيع" ولكي لا يشرد هذا القطيع ولكي لا يرتكب "الحماقات بحق نفسه وسواه فيجب ان تحميه العائلة المقدسة من نفسه، لكي لا يفكر في أكثر من العَلَف الذي يقدم إليه (هذا إذا توفر العلف)، ولكي لا يخطر في باله أن يرفع رأسه، "إلى فوق" ليرى ماذا يدور هناك في الأعالي، أو ان يدور في خلده شيء من قبيل أن يحس بأنه انسان، وله حقوق وانه مواطن. والمنطق يقول كيف تكون القطعان "مواطنين". وكيف تتحول الماعز والمواشي إلى ناس. إذاّ، وتطبيقاً لهذه "النظرية" البيولوجية يجب أن تبقى القيود في أعناق هؤلاء وفي أرجلهم وفي مخوخهم، وان يبقوا تحت سلطة تداري "جنونهم" فتعالجهم بالقمع، وتراقب "غرائزهم" فتعالجهم باللجم، وربما ترصد حيوانيتهم فتعالجهم بالذبح…. وهكذا يبدون انهم شعب "قنوع" مريض، قاصر، (يحتاج إلى من يفكر عنه) ذليل، عاجز، معوق، مُعقد، (يحتاج إلي وصي عليه). هذه هي الصورة النمطية التي كونتها الأنظمة العربية عن شعوبها وردفتها، وعلى مراحل وتنوعات بصور أخرى توحي ان هذه "القطعان" إذا تركت على غاربها (أي اذا توفرت لها الحرية وتأمنت لها القوانين الديموقراطية) فستتحول إلى قوى متطرفة، خطيرة، وسلفية جامحة ورجعية وتجريبية، تهدد أمن الدولة ووحدتها واستقرارها وتهدد أيضاَ الغرب والعالم الحضاري والإنسانية والمجتمع الدولي والمؤسسات على شاكلة بن لادن أو "الإخوان المسلمين" او طالبان…
إذاً هذه الصورة "البهية" رسمتها الأنظمة عن شعوبها ووزعتها وقايضت بها لتحظى بدعم "المجتمع الدولي" وتبقى رازحة على صدور ناسها؛ وهكذا سَعت هذه الأنظمة العربية إلى، 1) وضع شعوبها في صور ممسوخة متوحشة لتكون "الطبيب المداوي"، 2) قايضت هذه الصورة التي ضللت العالم بوجودها المزمن لقاء تغطية لكل ممارساتها الهمجية وتمنين العالم بأنها الوحيدة القادرة على "تطهير" ما يشوب هذه الشعوب من "شواذات" أصولية وجرائم وأوبئة، وان رحلت هذه الأنظمة تَسُد الفوضى في المنطقة، 3) فتح قنوات مع دوائر غربية وكذلك مع إسرائيل تساوم به على قبول كل ما ترتكبه بحق الشعوب العربية، وصولاً إلى الأراضي المحتلة، بحيث تصبح معادلة "أمن هذا النظام العربي من أمن الأمة العربية" ، "أمن هذا النظام أو ذاك من أمن اسرائيل". رائع! باعتبار ان أي تغيير يصيب هذه الأنظمة أو يهددها، لن يكون تهديداً للغرب والمنطقة بل لإسرائيل أيضاً.. وهنا يحدث ان يُفهم شعار "الممانعة" بوصفه مواجهة "ممانِعة" الشعوب المنتفضة التي تسعى إلى حريتها وكرامتها. من ممانعة "العدو" (أين؟) إلى ممانعة الانتفاضات العربية. وهنا بالذات التبست الصورة التي رسمتها الأنظمة عن ناسها بالنسبة إلى العالم الذي اكتشف أن الشعب العربي مخالف تماماً للحقائق المشوهة التي وُضع فيها: شعب عنده كرامة، ووعي عميق بحقيقة هذه الأنظمة وعاشق للحرية وللديموقراطية وسلمي وغير عنيف ومنفتح وطيب وشغوف وملتزم العدالة والقوانين واحترام الآخر وبعيد عن "السلفية" و"الأصولية" و"التطرف" و"الأحزمة الناسفة" و"السيارات المفخخة"… والاغتيالات والتعصب والطائفية والمذهبية: أي حطم الشعب كل الكادرات المزيفة التي وضعته فيه الأنظمة. وقد أدهش الثّوارُ بسلوكهم الحضاري العالمَ. أدهشوهم بهذه المشهدية الجديدة التي اكتشفها عنهم، فتعاطف وتضامن معهم، وتظاهر تأييداً لهم، ودان المجازر وعمليات القصف والنسف واستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات والدبابات لقتلهم وتدمير مدنهم وقراهم ومنازلهم ومستشفياتهم. أزال "الثوار" من أذهان العالم كل تلك "الفزاعات" التي رفعتها الأنظمة لتؤمن استمرارها. على العكس بدت هذه الأنظمة على حقائقها المخجلة. صارت عاراً على شعوبها بعدما روّجت ان شعوبها هي عارٌ عليها. صارت وصمة على جباه شعوبها بعدما روجت أن شعوبها وصمة على جباه الانسانية. ومن يتابع الإعلام الخارجي يتأكد من حجم الانقلاب الذي حدث بين ما روجته الأنظمة عن أهلها وناسها وبين ما آلت اليه بالنسبة إلى واقعها.
الأوضاع انقلبت رأساً على عقب: ظهرت الأنظمة على حقائِقها المزيفة وعلى طبيعتها المخزية وعلى واقعها: مجرد عصابات عائلية مُسلّحة وطغاة قتلة ونهابين وسفاحين ومصاصي دماء وفاسدين. سقطت أوراق التين الكثيرة التي كانت تغطي عوراتهم. سقطت الحُجُب التي كانت تخفي المآسي، والتراجيديات اليومية التي كانت تحدث وراء الكواليس وفي عتمات السجون وأقبية التعذيب. انها الصورة "المثالية" النموذجية لأنظمة الطغاة العائلية التي تخوض اليوم معاركها الأخيرة مع شعبها: انها الآن في مواجهة مباشرة مع الثوار. لا وسائط. ولا أحجيات. ولا تبريرات. ولا تلفيقات. انقسم العالم العربي اليوم بوضوح تام بين ثوار مسالمين عُزَّل في الميادين والساحات والشوارع وعلى السطوح وفي المدن والقرى والأرصفة والمنازل وبين الطغاة الذين يدافعون عن معاقلهم المتهاوية بأبشع أنواع القتل والتدمير. من ناحية أناس ينتفضون بشفافيتهم العالية وأصواتهم الهادرة ولحمهم الحي ومن ناحية أخرى "قبضات الحديد" (تذكروا مبارك) والبارود والدم والدبابات والقنص والحصار وأفظع أساليب القتل والتمثيل بالجثث، والمقابر الجماعية.
إنها اللحظة الحاسمة التي انقلبت فيها الأمور، وتحركت إلى نقطة اللاعودة: فلا الأنظمة المُلوثة بدم شعوبها باتت قادرة على التراجع ولا الثوار الذين هزوا أسس تلك البنى ودحرجوا رؤوسها مستعدون للتنازل عن انجازاتهم الرائعة. على هذا الأساس يبدو أن الدوائر الخارجية من اميركية وإسرائيلية وأوروبية كأنها تتدخل لمصلحة هذه الأنظمة اكثر مما تنحاز إلى جانب الثوار وإذا كان ثمة مؤامرة خارجية تحاك فهي ضد الشعوب المنتفضة وليس ضد هذه الأنظمة التي لم تبق ولم تتوسع وتترسخ إلاّ بإرادة ذلك الخارج وتواطؤاته على امتداد نصف قرن: تابعوا ما يجري في اليمن وليبيا وسوريا تعرفوا جيداً ماذا نعني بكلامنا. ومجرد مراجعة مواقف بعض القوى الأجنبية من أميركية وسواها، نتأكد كم دعمت وما زالت تدعم هذه الأنظمة، وكم تتمسك وما زالت تتمسك هذه الدوائر الغربية بهذه الأنظمة المذكورة (فلنعد إلى مواقف الرئيس أوباما الحاسمة من الرئيس مبارك والحاحه عليه بالرحيل… وبمطاردة يومية ونقابل مواقفه الحالية من الأنظمة التي تثور عليها شعوبها: الأميركان ما زالوا يتآمرون على الانتفاضات وليس العكس). وهنا نميز بين مصطلحات وتصريحات تقول "على مبارك أو بن علي الرحيل حالاً. بعد اسبوع من اندلاع الثورة في البلدين، وبين الرؤساء القذافي أوعلي صالح أو بشار الأسد ان يلبوا مطالب شعوبهم. فاللبيب من أقل من الاشارة يفهم. وهنا نميز بين موقف الحكومات الغربية وبين مجتمعاتها: فالأولى تتذبذب وتتواطأ والثانية تتعاطف مع الثوار: لقاء الشعوب من جهة ولقاء الأنظمة من جهة أخرى.
لكن نظن ان كل هذه الوسائط والمراوغات والحسابات الخارجية ماعادت تجدي نفعاً. لا شيء. فالثوار مصرون ومستمرون في تحركاتهم وفي صمودهم وهم يتكاثرون ويزدادون ايماناً بقضيتهم ويتقدمون بأطراد إلى جغرافيات ومواقع ومناطق جديدة على الرغم من آلة القمع الشرسة التي تواجههم بها أنظمة الطغاة. ويقودنا القول إن هذه الحوارات "المُرتّبة" بين الأنظمة والثوار هنا وهناك ليست أكثر من محاولة لامتصاص الانتفاضات والالتفاف عليها، واللعب على عامل الوقت، واستنزاف الجماهير والمراوغة، والتظاهر بالاستعداء للاصلاح وتعديل الدساتير والمواد المعنية وتفكيك المنظومات الأمنية واجراء انتخابات حرة… كل هذا "مكائد" منصوبة للثوار ورسائل موجهة إلى العالم: نحن، أي الأنظمة ننادي بالاصلاح وبالحوار "الديموقراطي" (يا عين)، والمؤامرة الخارجية المتمثلة بالانتفاضات ترفض ذلك. كل هذا يجري والآلة الجهنمية العسكرية والأمنية ترتكب المجازر، وتعتقل المتظاهرين والكتاب والفنانين، لتملأ السجون والمدارس والملاعب بهم.
فجأة ابدى الطغاة نوازعهم الإصلاحية والحوارية، لكن هذه "الفجأة" لا تدوم.. لأنها تطفو على الدم والقتل والسحل والتدمير والقصف. من ناحية حوار في قاعات "نظيفة" أو في صالونات رائعة، أو في مكاتب مكيفة.. وحوار آخر بقبضات الحديد على امتداد الميادين والساحات.
وماذا يبقى من هؤلاء الطغاة إذا تخلوا عن قبضاتهم الحديد: لا قبضات ولا حديد ولا وجود!