قرّر ان يجلس على ضفاف النهر، فجثة عدوه لا بدّ تمرّ، وقرّر ان يترك للقدر او قل لاصحاب القرار الذين لم يستجيبوا يوماً لطلباته ولا رغباته، علّهم يستجيبوا؛ ليستدير حينها، حماية لمكتسبات "قطيعه" الصغير، ولكن من دون أن تغيب عينه عن النهر، علّ نكد الدنيا كما يقول ابو الطيّب، يتغيّر معه وعليه، فلا يرى بدّاً وضرورةً، من صداقة عدوه.
ما ينطبق على وليد جنبلاط قد ينطبق على كثيرين، باستثناء شعب سوريا المفاجئ (بكسر الجيم)، والذي أدخل المعالجة الديموقراطية، معادلةً إلزامية على سوريا، ولو انها قد تتأخر لحسابات متعددة، لأن ما يفرضه الحوار، لا يرتبط في العادة بالنصوص ولا بالوعود، انما بموازين القوى؛ هذه الموازين التي تميل أمنياً لصالح النظام، لكنها تميل على جنبها الآخر لصالح المتظاهرين، الذين فشل القمع في قمعهم.
اثبتت الوقائع ان التظاهرات مستفيدة من جرعات دعم دولية بسيطة عنوانها في أكثر الاحيان، حقوق الانسان، تمكنت من قمع القمع وصولاً الى اعلان فشله، وتمكنت حتى من دعايته التي معظمها تافه، وبأبواق لبنانية مسطحة وطافحة في الغباء.
واثبتت الوقائع ان على الرئيس السوري إعادة النظر في المحيط الذي ما انفك يطيح بمصالح الرئاسة وسوريا على السواء، ويجرّ عليه الدعوة لإسقاطه، بعدما تحاشت التظاهرات اسمه مدداً، واثبتت الوقائع ان اي تفاهم على مستقبل سوريا لا بدّ ان يمرّ عبر بوابة الشباب الشجاع والمعارضة، التي لم تسفر عن وجهها بعد، احتياطاً لا خوفاً، ورغبةً في الاستمرار والصمود، لأن التخفي جزء من خطة المواجهة، وفهم عميق لأساليب السلطة.
واثبتت الوقائع بما لا يقبل الشك هذه المرة، ان مداخل الديموقراطية الى اي ديكتاتورية أن تقتنع، بل أن تقنعها الجماهير الثائرة بضرورة التغيير، فتمرّ عبر الحوار الالزامي، حول أساليب هذا التغيير، فتنظيمها في دستور، ثم تطبيقها عبر صناديق الاقتراع، لأن العبور هذا، هو الحاجة الملحّة لأن يلغي النظام نفسه بنفسه بهدوء، او تلغيه الايام بأساليبها القاسية!
سوريا تدخل زمن التغيير، والتاريخ لا يعود الى الوراء، وكيفما انتهى الحال، فالوضع لن يعود كما كان. بينما نحن في لبنان، لا نجرؤ على مقاربة الحدث العربي الكبير، ولا نتجرّأ على التجمّع… حتى في ظلمة الليل.
شعب سوريا، لا يجلس على نهر، لا ينتظر، ولا يصطنع انتظاراً قاتلاً لأي دولة في العالم، بل وحده، يعاكس الهدير القاتل ولا خوف…
أحسدُ شعب سوريا!