#adsense

“لاسا”: أبعد من خلاف على كنيسة صغيرة مهجورة كانت مصلّى… إهمال المساحة يزنّر جرود جبيل بالألغام الطائفية

حجم الخط

كتب ايلي الحاج في صحيفة "النهار":

زنّرت الخلافات على الحدود ملكيات الطوائف والمذاهب والأقوام في لبنان، وكثيراً ما سال على أطرافها الدم قبل أن تهدأ الأرض والنفوس نسبياً بفعل الأمر الواقع وموازين قوى تفعل فعلها بمرور الزمن.

المشهد الختامي يكون في أعمال المساحة وقد أنجزت في غالبية بلدات جبل لبنان وقراه منذ بدايات الستينات، إلا في جرد جبيل الجنوبي، جبة المنيطرة وصولاً إلى العاقورة.

مناسبة العودة إلى هذه السيرة المفتوحة ما جرى أول من أمس في بلدة لاسا الجبيلية، حيث اعترض بعض الأهالي الشيعة بطريقتهم أعمال مسح أراضٍ للبطريركية المارونية. لكن الخلاف يبدأ من فوق من جرد العاقورة ويعمّقه دوماً تقاعس الدولة سياسياً وإدارياً، وعجزها خلال الحرب خصوصاً، لتفلت اعتداءات على عقارات من هنا وهناك ونزاعات حدودية أكبر، ليست مسألة لاسا إلا تفصيلاً فيها.

في تاريخ الكنيسة المارونية أن الرسالة بدأت في اعالي بلاد جبيل الوثنية مع ابرهيم القورشي، تلميذ القديس مارون، في اوائل القرن الخامس انطلاقاً من العاقورة وأفقا. سكن البطاركة الموارنة أعالي جبيل مدى 695 سنة ما بين سنة 750 و1445 قبل أن ينتقلوا إلى وادي قنوبين. والعاقورة مثل بشري وتنورين ومزرعة كفرذبيان وبسكنتا وبلدات السلسلة الغربية العالية والتي تطل على سهل البقاع وصولا إلى أرز الباروك، كان لها امتداد بقاعي بفعل انتقال رعاة الماشية والمزارعين إليها. على سبيل المثال عائلات بشري أقامت في البقاع عبر الجرد دير الاحمر وشليفا وبتدعي وبشوات وعيناتا والقدام وغيرها. موارنة بسكنتا ومزرعة كفرذبيان كان امتدادهم البقاعي زحلة مع رومها من الكاثوليك والأرثوذكس. اليمّونة في المقلب العاقوري من السهل كانت هي أيضاً لعائلات عاقورية أشادت فيها كنيسة سيدة اليمونة التي لا تزال قائمة على رغم غياب العائلات المسيحية منذ مشكلات أوقعت بداية الخمسينيات ضحايا بين آل شريف الشيعة وآل أبي يونس الموارنة. حتى اليوم لا تزال حدود العاقورة تصل إلى قناة اليمونة بموجب أحكام مبرمة ومثبتة منذ ما قبل الإستقلال عام 1943. عدم تثبيت الحدود نهائياً بين العاقورة واليمونة يبقي المسألة مفتوحة على نزاعات يمكن أن تتجدد في أي وقت. وآخر حادث بين أهالي البلدتين وقع عام 1968 عندما قتل شاب عاقوري في الجرد وحضر جنازته البطريرك الماروني الراحل بولس المعوشي شخصياً في كنيسة مار جرجس تعبيراً عن الأهمية التي توليها الكنيسة للموضوع. نزولاً إلى السفح الغربي من السلسلة، تذكر كتب التاريخ أن الكنيسة المارونية اشترت عام 1863 بلدات أفقا ولاسا ويانوح من "الحمادية"، والمقصودة بهذا التعبير ليست عائلة حمادة الشيعية حصراً بل مجموعة عائلات شيعية تتكنى بها بسبب من ولائها لآل حمادة. يضع الباحث سعدون حمادة في كتابه "الأمارة الحمادية في جبل لبنان" الإنتقال الديموغرافي والجغرافي للشيعة من الجبل إلى البقاع في إطار سياسة تهجير طائفي غفل عنها التاريخ فلم يتحدث إلا عما تعرض له المسيحيون في مجازر النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الجزء الجنوبي من الجبل ومحيطه.

عندما اشترت الكنيسة أفقا حوّلتها إلى وقف مار عبده، وهي من أجمل قرى لبنان ينبع من مغارتها الهائلة نهر ابرهيم على اسم الراهب ابرهيم القورشي بعدما كان على اسم أدونيس، وفي الميتولوجيا الفينيقية أن مياهه تتكوّن من دمائه بعدما قتله الخنزير البري ومن دموع حبيبته عشتروت. وفي أفقا هيكل وثني حوّله الموارنة كنيسة على اسم السيدة العذراء، ومعبد وجسر رومانيان من الروائع ومعالم جمالية قلة رأتها في لبنان بسبب الوضع السائد. وبقي الأهالي الشيعة بعد انتقال الملكية إلى الكنيسة يعملون في أرضها بإدارة وكيل منهم. وعلى غرار العاقورة لم تتمتع أفقا باستكمال أعمال المساحة قبل الحرب، فأصبح المختار قاضياً للسجل العقاري عملياً. وبتضافر عوامل الإهمال من الكنيسة والسلاح خلال الحرب، واستحالة ضم أفقا أمنياً إلى ما كان يُعرف بـ "المنطقة الشرقية" أو "المارونستان" نظراً إلى انفتاحها من الخلف على البقاع، سادت تلك البقعة فوضى عارمة في تحديد الملكيات، ولا تزال.

أما لاسا فتنقسم أراضيها البالغة 5 ملايين متر 3 ملايين متر للكنيسة، تحديدا لمطرانية جونية التي يتولاها اليوم المطران أنطوان نبيل عنداري، و2 مليونين للأهالي الشيعة من عائلات سيف الدين والمقداد وعبيد والشامي.

الكنيسة جاءت بشركاء من مسيحيي فتوح كسروان بعدما اشترت الأرض من "الحمادية" ومن ضمنها مبنى قديم كان مصلى لنساء بيت حمادة تحوّل كنيسة سيدة لاسا ولم يعترض أحد من الأهالي الشيعة. وعام 1973 مسحت الكنيسة نهائيا الأرض التي تملكها وظهرت الكنيسة على الصحيفة العقارية وعليها صليب ككل دور العبادة المسيحية. وخلال الحرب أجّرت الأرض للدكتور فؤاد الشمالي أحد أعضاء "الجبهة اللبنانية" فأقام فيها مزرعة ومعمل إنتاج واستثمر الأراضي واستصلحها، كما أقامت "القوات اللبنانية" مشروعا زراعياً في المنطقة أيام قيادة الوزير الراحل إيلي حبيقة.

بقي المليونا متر اللذان يملكهما الأهالي بلا مسح، وبقي المسيحيون منهم شركاء وكانت العلاقات ممتازة خلال الحرب بين أهل لاسا الشيعة ومحيطهم خلال الحرب، وكان أحد وجهائهم البارزين "أبو طعان" المقداد يتولى عند مراجعته إعادة من يتعرضون للخطف في "الغربية" بحسب تسمية الأيام السود.

لكن الوضع اختلف بعد الحرب، ففي 2001 دخل الشيخ محمد عيتاوي الكنيسة، وهو قريب من "حزب الله" ووضع فيها قرآنا وقال إن ثمة نزاعا عقاريا عليها وكانت مصلى لنساء بيت حمادة ويجب أن تعود للشيعة، وقرعت أجراس في قرى المنطقة وبلداتها. المسيحيون الذين يشكلون 10 في المئة من البلدة كانوا هجروا الكنيسة الصغيرة القديمة وبنوا كنيسة أكبر، وفي زمن "اللقاء اللبناني للحوار" اجتمع النائب السابق فارس سعيد والمسؤول في "حزب الله" غالب أبو زينب ورئيس بلدية لاسا محمد المقداد ومختارها محمود المقداد عند المطران عنداري، وكان اتفاق على أن يخرج الشيخ من الكنيسة وتستكمل الدولة أعمال المساحة، ويقفل المطران الكنيسة المشرعة بلا باب ونوافذ ويضع عليها صليبا. نُفذ الإتفاق لكن الدولة لم تستكمل المساحة.

الرزق السائب والإهمال تضافرا في لاسا، وفي 2008 تكررت المسألة مع الشيخ نفسه والكنيسة نفسها وكان الحل أن سلم "حزب الله" مفتاح الكنيسة إلى النائب العماد ميشال عون الذي سلمه بدوره إلى المطران. ثم أشيع أن النائب السابق سعيد سيشارك في قداس بكنيسة لاسا لاستغلال المسألة انتخابياً، ليُعلَن على الأثر اكتشاف قنبلة في المكان.

واليوم مع إيلاء الكنيسة برئاسة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي مسألة الأراضي أهمية قصوى وحماسة الرابطة المارونية للإنجاز لا يجدي- على ما يقول متابعون للملف- تصوير المسألة طائفية، ولا هي تقنية بحتة، فهناك تسيّب وشعور لدى البعض بأن اللحظة مناسبة للكسب وتثبيت ما أخذ بالقضم والتمدد المفتوح في حركة معاكسة من البقاع إلى الساحل، والحل يكون سياسياً بإشراف الدولة أو لا يكون، وخصوصا أن على رأسها رئيسا للجمهورية ابن المنطقة، وأن البطريرك كان مطرانها، ونوابها الثلاثة وصلوا إلى البرلمان بالتحالف مع "حزب الله". لا ينبغي أن تكون مشكلة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل