أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، انه سيباشر سلسلة مشاورات تمهيدا لبلورة وتطوير أطر حوارية مناسبة لحماية لبنان وتحصينه من المخاطر الداخلية والخارجية، دون التوقف عن المسعى الأساسي الهادف للتوافق على استراتيجية وطنية للدفاع عن الوطن.
وشدد، في خلال مأدبة العشاء التي أقامها، في دارته في عمشيت، على شرف بطريرك انطاكية وسائر المشرق مار بشارة بطرس الراعي لمناسبة زيارته الراعوية لمنطقة جبيل، على ضرورة المباشرة بالتحاور حول كيفية المضي في تطبيق وثيقة الوفاق الوطني في جميع بنودها، وحول سبل توضيح الإشكالات الدستورية، معربا عن أمله في ان تكون الفرصة باتت متاحة اليوم، وفي ظل وجود حكومة تعمل تحت رقابة المعارضة، للمضي قدما في تنفيذ المشاريع الحياتية التي طال انتظارها.
من جهته،اشاد البطريرك الراعي بما يبذله رئيس الجمهورية منذ توليه سدة الرئاسة في سبيل بناء الوحدة الوطنية، معتبرا ان الرئيس سليمان يحمل قضية لبنان: وحدته في تعدديته، هواجس شعبه الصامد والمكابر، تطلعات أجياله الطالعة، ميثاق عيشه المشترك بين المسيحيين والمسلمين، صيغة المشاركة المتساوية والمتوازنة بينهم في الحكم والادارة، ورسالته في قلب العالم العربي والأسرة الدولية كعنصر استقرار ونموذج للديموقراطية والعيش معا، كفي اناء من خزف سريع العطب.
الحضور
وشارك في العشاء، الى البطريرك الراعي، الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، رئيسا مجلسي النواب والوزراء نبيه بري ونجيب ميقاتي، الرئيس امين الجميل وعقيلته، الرئيس العماد ميشال عون وعقيلته، نائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل وعقيلته، وزراء: الطاقة والمياه جبران باسيل، والسياحة فادي عبود، والبيئة ناظم الخوري، والعدل شكيب قرطباوي، والداخلية والبلديات مروان شربل، والدولة سليم كرم وعقيلاتهم، وعدد من النواب، وحاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة، وقائد الجيش العماد جان قهوجي، ورئيس المجلس الدستوري الدكتور عصام سليمان.
كما شارك رئيس مجمع الكنائس الشرقية في روما الكاردينال ليوناردو ساندري، وعميد السلك الديبلوماسي المونسنيورغبريال كاتشا، وعدد من رجال الدين والفاعليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالاضافة إلى فاعليات جبيل وكبار موظفي رئاسة الجمهورية.
كلمة رئيس الجمهورية
وألقى الرئيس سليمان في مستهل مأدبة العشاء الكلمة الآتية:
"دولة رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري
دولة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ نجيب ميقاتي
غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي
نيافة الكاردينال البطريرك مار نصر الله بطرس صفير
نيافة الكاردينال ليوناردو ساندري
أصحاب الفخامة والدولة والمعالي والسعادة والسيادة
الأهل والأصدقاء
بكثير من البهجة والاعتزاز المفعم بالأمل نستقبل هذا المساء غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، البطريرك السابع والسبعين للطائفة المارونية، لمناسبة الزيارة الراعوية التي يقوم بها إلى أبرشية جبيل المارونية، هذه المنطقة الجميلة المتجذرة في التاريخ، التي أحبها ورعاها سنين طوالا قبل تبوئه السدة البطريركية، وهي ما زالت تبادله المحبة وتكن له عميق التقدير والاحترام.
فأهلا وسهلا بكم غبطة البطريرك، راعيا موحدا وبطريركا جامعا، بين أبنائكم ومحبيكم، وفي هذه الدار بالذات، التي تجاور دار المطرانية منذ عقود طويلة، والتي التقت دائما معكم على مقاصد الإخلاص للوطن والتعلق المشترك بالثوابت والقيم.
وإذا كانت الطريق الضيقة التي تفصل جغرافيا البيت الوالدي عن دار المطرانية عنصر قرب وود بين الدارتين؛ فإن المسافة الجغرافية الأبعد التي تفصل بعبدا عن بكركي لن تشكل بالتأكيد عنصر بعد وانقطاع، بل عنصر تواصل ولقاء مستمرين لتوحيد الصفوف وخدمة الخير العام.
لقد أعلنتم منذ اليوم الأول لتنصيبكم غبطة البطريرك، وضع خدمتكم الراعوية تحت شعار الشركة والمحبة؛ وبادرتم سريعا الى العمل على جمع قادة الطائفة المارونية، بحثا عن توافق على رؤى مشتركة تحفظ الدور والكيان، في زمن التحديات والمخاطر والمتغيرات، وكمدخل للقاء وطني شامل. وتجاوبتم مع الدعوة لعقد قمة روحية إسلامية – مسيحية في الصرح البطريركي للتأكيد على خصوصية لبنان والتزامه رسالة الحرية والحوار والعيش المشترك؛ وباشرتم سلسلة زيارات راعوية في الوطن، وقريبا في دنيا الانتشار، مظهرين على الدوام اهتماما خاصا بفئة الشباب، وحرصا عطوفا على أحوال المرضى والفقراء والمتألمين والمستضعفين.
ولم تتوانوا يوما عن الدعوة لدعم الشرعية والمؤسسات الدستورية وتعزيز روح الوفاق الوطني وتحقيق مستلزمات العدالة والاستقرار والتنمية البشرية المستدامة. فهنيئا غبطة البطريرك هذه الهمة الرسولية العالية وهذا الالتزام الشجاع.
أيها الأعزاء،
لقد تمكنا خلال السنوات الماضية من تحقيق قدر كبير من الاستقرار المعزز للثقة والمحفز للاستثمار وللنمو الاقتصادي، ولا شيء يمنع خلال الأشهر والسنوات القادمة، بالرغم من المخاطر والتحديات الكبرى التي تحيط بنا، من المحافظة على هذا الاستقرار والبناء عليه،إذا ما توفرت الإرادة السياسية لذلك؛ وإذا ما احترمنا الاستحقاقات الدستورية، والتزمنا مبدأ التداول الديموقراطي للسلطة؛ واستمررنا بنهج الحوار واحترام الرأي الآخر، ونحن في بلد الحريات؛ واحتكمنا إلى المؤسسات الشرعية لحل أي إشكال أو خلاف أو نزاع؛ من دون أن ننسى واجب السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا ما نحن عليه عازمون وقادرون.
ولئن كان الشعب اللبناني ما زال يتقبل الجدل السياسي، على حدته، وينجح التحريض في استنفار عصبياته الفئوية في بعض الأحيان، فإنه سئم الاقتتال الداخلي على وجه التأكيد ولم يعد يجنح إليه. وهو بات يطمح بالدرجة الأولى، منذ انتهاء حروبه المنهكة، لإعادة بناء الدولة والمؤسسات، وصولا لتحقيق الاستقرار الدائم والعزة الوطنية والتنمية المستدامة.
في المقابل فلقد تم استهلاك وقت طويل لتشكيل حكومات ثلاث خلال السنوات الثلاثة الماضية، وحال ذلك، إلى جانب التجاذبات السياسية داخل هذه الحكومات، دون تنفيذ معظم المشاريع التي تلبي حاجات المواطنين الأساسية، والتي نصت عليها البيانات الوزارية المتتالية.
إلا أن الفرصة باتت متاحة اليوم، على ما نأمل، في ظل وجود حكومة تعمل تحت رقابة المعارضة، للمضي قدما في تنفيذ المشاريع الحياتية التي طال انتظارها والتي هي حق طبيعي ومكتسب للمواطنين، فتنجح في الفوز بلقب الحكومة المنتجة، ويبقى للسياسة إطارها وللعدالة مسارها المستقل.
وبالرغم من كل ذلك، فإن نقاشات وسجالات الأسابيع الماضية أظهرت انقسامات سياسية حادة، من شأنها إضعاف الروح الميثاقية في حال تفاقمها، وتعريض النسيج الوطني للاهتزاز.
وأظهرت بالتالي كم أصبح لبنان بحاجة لمصالحة حقيقية، ولحوار صريح وشامل، ولعمل سريع هادف لإعادة بناء عناصر الثقة بين قادته ومختلف مكونات شعبه، خاصة وأن النظام اللبناني يحترم التعددية ويحرص على التوافق في فلسفة تكوينه.
وسعيا لذلك، سأباشر سلسلة مشاورات في أقرب الآجال، مع قادة البلاد وممثلي الشعب، تمهيدا لبلورة وتطوير أطر حوارية مناسبة لحماية لبنان وتحصينه من المخاطر الداخلية والخارجية، دون التوقف عن المسعى الأساسي الهادف للتوافق على استراتيجية وطنية للدفاع عن الوطن. ومن المفترض بتهديدات إسرائيل الأخيرة ومطامعها بما تختزنه بحارنا من ثروات طبيعية أن تزيد من عزمنا على توحيد صفوفنا، من خلال حوار هادف وبناء.
من جهة ثانية، أظهرت تجربة السنوات الماضية جدية الإشكالات والثغرات الدستورية التي ساهمت في تعطيل آلية عمل الدولة والمؤسسات وحالت بصورة خاصة دون تمكين رئيس الدولة من دفع الأمور باتجاه التحكيم والحسم عند الاقتضاء، بصفته الحاكم والحكم، مما دفع البعض إلى حد التشكيك بطبيعة النظام، وإبراز الحاجة لحوار وطني صريح وشامل يتمخض عن رؤى وآليات حول كيفية تطوير هذا النظام والسماح له بالخروج من أزماته.
ويجدر بنا في الواقع أن نباشر بادئ ذي بدء، بالتحاور حول كيفية المضي في تطبيق وثيقة الوفاق الوطني في جميع بنودها، وحول سبل توضيح الإشكالات الدستورية، بشكل يسمح بتوزيع المسؤوليات بصورة رشيدة، ويحرر آليات الحكم وقدراته، ويعيد ثقة اللبنانيين بأنفسهم وبإمكانية قيام دولة قادرة وعادلة مسؤولة حصرا عن أمنهم واستقرارهم ورفاه عيشهم.
أيها الأعزاء،
إنه لمن دواعي السرور أن يتزامن هذا اللقاء مع الذكرى الخامسة والعشرين لارتقاء غبطة البطريرك بشارة بطرس الراعي إلى الرتبة الأسقفية، ومن دواعي الاستبشار بالخير والبركة أن يتزامن كذلك مع عيد القديس شربل، ابن هذه الأرض المباركة وشفيع لبنان.
نغتنمها مناسبة كي نرفع لله عز وجل آيات الشكر والعرفان وأحر الدعاء كي يحفظ غبطة البطريرك الراعي بدوام الصحة والهمة والعزم ولكي تتعزز في الوطن روح التوافق والتسامح والإخاء.
أختم بالتوجه إلى نيافة الكاردينال ليوناردو ساندري بالشكر على مشاركته لنا بهذا التكريم، متمنيا عليه أن يرفع إلى قداسة البابا بينيدكتوس السادس عشر احترامنا وامتناننا لاهتمامه الدائم بلبنان ودعاءنا له بالعافية والنجاح في قيادة الكنيسة وشعبها على دروب الخير والمحبة والعدالة والسلام.
عشتم وعاش لبنان".
كلمة البطريرك الماروني
ورد البطريرك الراعي بكلمة جاء فيها:
فخامة الرئيس،
1- انه لشرف كبير لي أوليتني اياه مع السيدة قرينتكم، اللبنانية الأولى السيدة وفاء، بالدعوة الى مأدبة العشاء هذه في دارتكم العامرة بعمشيت، بمناسبة زيارتي الراعوية لابرشية جبيل العزيزة، وبإحاطتي بأبهى الوجوه الكنسية والوطنية والاجتماعية.
فاني أشكركما على هذه المحبة وهذا التكريم يا فخامة الرئيس وحضرة اللبنانية الاولى. وأشكر كل الشخصيات التي لبت الدعوة، وشرفتني بحضورها، فيما انا وأخي المطران بولس اميل سعادة، رئيس اساقفة البترون، نحتفل بيوبيلنا الاسقفي الفضي، فقدمنا لله منذ قليل ذبيحة الشكر والاستغفار والتشفع، بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على خدمتنا الأسقفية، وقد رسمنا اساقفة بوضع يده المباركة صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير في 12 تموز 1986. وصاحب الغبطة والنيافة يحتفل بيوبيله الذهبي 50 سنة اسقفا و25 سنة بطريركا ونحن نتمنى له العمر المديد، فالعمر يلبق له.
2- لقد أردتم، فخامة الرئيس، أن تعبروا بهذه المبادرة عن نهجكم الثابت، منذ توليكم سدة الرئاسة الأولى، وهو جمع شمل العائلة اللبنانية بروح "الشركة والمحبة". انكم تعززون كل السبل لبناء الوحدة الوطنية، وتتحملون بصبر كل ما يخالفها؛ تسترون العيوب بالحب، وتبرزون الايجابيات؛ تغفرون الاساءة وتبادلون بالاكرام. انكم تحملون قضية لبنان: وحدته في تعدديته، هواجس شعبه الصامد والمكابر، تطلعات أجياله الطالعة، ميثاق عيشه المشترك بين المسيحيين والمسلمين، صيغة المشاركة المتساوية والمتوازنة بينهم في الحكم والادارة، ورسالته في قلب العالم العربي والأسرة الدولية كعنصر استقرار ونموذج للديموقراطية والعيش معا، كفي اناء من خزف سريع العطب.
3- نحن وكل اللبنانيين، نقول لكم، فخامة الرئيس، ولكل معاونيكم في مؤسساتنا الدستورية، وعلى رأسها دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء، بلغة الانجيل: "تقدموا الى العمق، وارموا الشباك للصيد، شباك الشركة والمحبة". والله يؤتيكم صيدا عجيبا، كما فعل مع أولئك الرسل الصيادين الذين، وقد اختبروا عمل الرب في الصيد العجيب، جعلهم صيادي بشر.
عشتم؛ وعاش لبنان".