أجيال عربية كثيرة طيلة العقود العربية كانت تردد، والكثير لا يزال يردد شعار "سوريا قلب العروبة النابض". يرددونها عن اقتناع والى حد كبير كالتزام. واليوم يرددونها مع تساؤل هل اصيب هذا القلب بنوبة عابرة في امكان الطب السياسي معالجتها حتى لا يستمر النزف الدموي يرهق دور القلب في مهد العروبة، خاصة في هذه الظروف الصعبة والمعقدة بالحيوية المطلوبة التي ميزت دور سوريا القومي التاريخي منذ الاستقلال وقبله؟ او هل ان هذا النزف الذي نعاني مشاهده يوما بعد يوم نوبة كاسحة عصية على العلاج؟ كثيرون مثلي يصرون على التفاؤل لكون جذور المسؤولية القومية لا تزال راسخة، وبالتالي من شأنها استيلاد المناعة التي تعيد الى قلب العروبة نبضه بدون تقطع.
ولكن كي تستقيم المعادلة التي تعيد الى الشعار صدقيته ونجاعته لا مفر من مرحلة علينا جميعاً فيها ممارسة نقد الذات من موقع الالتزام القوي لنحول دون اهدار الذات، وكي لا يتاح للمتربصين مزيد من الفرص للانقضاض على ما يجمع العرب، حتى يتم المزيد من التفكيك وتفويت الفرص على استئناف تفعيل مشروع النهضة الذي لطالما عطلته "طبائع الاستبداد" التي أوضح عناصرها وأخطارها المفكر السوري المميز عبد الرحيم الكواكبي.
■ ■ ■
ويبدو لي أنه في صلب النظام القائم معارضة ايضا، ولعل وآخر دليل ان عدداً من المثقفين والفنانين في دمشق قاموا بتظاهرة سلمية اسوة بمعظم التظاهرات – ان لم يكن كلها – وما ان افرج عنهم بعد اعتقالهم يومين حتى اعتدى عليهم من ادعوا انهم "انصار النظام". هذا الحدث يشير الى ان من يمكن وصفهم بأنهم عناصر اصلاحية داخل النظام لا تزال عاجزة عن ردع التجاوزات. وبالتالي برهنت اجتماعات جلسات التشاور ان ما يعلن من وعود للاصلاح دليل على ان ميزان القوى داخل النظام لا يزال في صالح من يرون في الحراك الجماهيري المتنامي خطرا، في حين ان التيار الاصلاحي إن وجد هو الساعي الى تنفيس الاحتقان المتفاقم، ولا يزال يواجه الصد مما يحول بالتالي دون انجاز اي من الاصلاحات.
■ ■ ■
هذا المأزق يجد كثيرون انفسهم فيه ممن يرغبون لسوريا القدرة على اختراق الحواجز التي تعوق تنفيذ الاصلاحات الجذرية التي هي في تقنينها – اي تحولها قوانين نافذة من شأنها تلبية الجوانب المطلبية الشرعية قبيل استفحال الفجوة التي تؤول الى حالة اغتراب في الحراك الجماهيري والنظام، وبالتالي انهاء الثقة مما يفاقم الشرخ بين شرائح المجتمع المدني والنظام. ولعل الاولوية هي الافراج عن السجناء وتأمين حماية حقوق الانسان، وبالتالي ارساء مقومات الكرامة للمواطن وللوطن – فلا كرامة للوطن بدون كرامة المواطن – كما تفعيل الاصلاحات الجذرية التي تجاوب معها ثم وعد بتنفيذها النظام، والتي ساهمت تقارير التنمية العربية في تعميم سياساتها. اجل كنت شاهداً على مدى التجاوب عند مقابلتنا، المديرة التنفيذية لبرامج التنمية الانسانية التابع للامم المتحدة لذا اعتقد ان لدى الرئيس بشار الاسد صدقية الرغبة في الاصلاح المرغوب، ولكن لا أرى سبباً للاستمرار في ابقاء ما يلتزمه معلقاً كما هو الحال في الوقت الراهن.
هذا المأزق بدوره ولّد عند شرائح كبيرة من الشعب السوري تعاطفاً مع الرئيس وابتعاداً متواصلاً، وكذلك معارضة متنامية للنظام. هذه الازدواجية الغريبة هي التي تولد كما اشرنا لا النظرة الازدواجية بين الرئيس والنظام بل تعددية تنظيمات المعارضة، والتي عبرت عن بعض تناقضها مع ما ورد بالامس في بيانها الختامي. ولكن الاخطر موقف بعض التيارات الكردية التي اعترضت على تسمية سوريا بالجمهورية العربية واستطراداً في هذه النقطة لا مفر من معالجة الموضوع على المستوى القومي، لأن علينا في نظري إعادة تعريف العروبة كمواطنة لكل الاعراق والانتماءات الدينية والطائفية، مع التأكيد على حقوق كل من هذه الشرائح وان وجودها وحقوقها اللغوية والثقافية يجب ان تكون مضمونة بالمطلق. في هذا المجال عند اللقاء مع الرئيس الاسد اكدنا ضرورة منح الجنسية السورية للاكراد وليس ذلك جزئياً ويجب تلبيته كله. العروبة انسانيتها تكمن في احتفالها بالتنوع وشرعيته… ولعل ما وفّره الدستور الجديد في المغرب يجعل اللغة الازارية مثل الفرنسية في كندا لغة رسمية من شأنه ان يكون استهلالا لنموذج يقتدى به. وهذا بدوره يندرج في تعريف المجتمع المدني والذي هو السمة المستنيرة لمبدئية القومية العربية.
الأهم ألا يتعامل النظام، او بعض مؤسساته او آلياته وكأن الحراك الجماهيري المتنامي هو الخصم، وعليه الانفتاح على المطالب لتصحيح العطب الذي أصاب سوريا، والذي علينا اعادة اللحمة اليه، لا من خلال استقطاب في لبنان بين تأييد مطلق واحتضان تسرع لنظامه، كما ليس بمقاطعة معاناة سوريا الحالية، بل ان دور لبنان يما يميزه من علاقة خاصة معها ان يساهم في دفعها الى ما انجز في "الربيع العربي" من قيم ملهمة أرادها محبو لبنان ان يكون بدوره رسالة، وهذا بدوره يؤهله للمساهمة في ازالة ما هو معطوب في الجسم العربي ككل، وبالتالي يعيد التداخل الدافىء في العلاقة بعدما كاد سفور التدخل يعطله. لعل لبنان لولا نظامه الطائفي المعيب في استطاعة مجتمعه المدني ان يكون الطبيب السياسي لـ"قلب العروبة النابض" الذي هو بأشد الحاجة اليه من اجل وقف نزف دماء السوريين الغالية.
عندئذ نسترجع ذاكرتنا شعاراً مستحباً اجتنبناه موقتا بان سوريا تعافى قلبها، وعاد قلبه الى نبضه.