خذلَ ربيع الشعوب العربية قوى المقاومة والممانعة، وهي بدورها لم تتردّد في تفسير هذا الخذلان وفقاً لمعجم "نظرية المؤامرة"، بل استعانت أيضاً بـ"رُهاب الإسلام" أو "الإسلاموفوبيا" للترويج بأن أحرار العرب الثائرين على "طواغيت التحرّر الوطنيّ" هم في أعمّهم الغالب متطرّفون وتكفيريّون وينبغي استحلال دمهم. هكذا تكشّفت "الرسالة الخالدة" للأمة بموجب الفكر القومي الشوفيني العربيّ رسالة استعمارية من دون مستعمر أوروبي، أي رسالة استعمارية تتولاها العصبية الفئوية المتغلّبة على المجتمع والدولة في الجمهورية الوراثية التقدّمية، بل رسالة استعمارية لا تتصف بأي طابع تحديثيّ يُذكَر، اللهم غير تهديد العالم بالعماء الذي سينتشر إن زال الإستبداد، وبالعصر البدائي الذي سينبعث إن سقط خيار "التنوير" الجذري الذي يقوده "الشبيحة" من ألوية مونتسكيو وفولتير وديدرو وكانط في برّ الشام.
وإلى "التنوير" الجذريّ، أي الدمويّ الذي يقوده "الشبيحة" ينضمّ "شبيحة الفكر والأدب" ممّن يرفضون الإعتراف بتنويريّة الإستبداد القائم بالفعل، إنّما يتمسّكون بالإستبداد المستنير كمثال أعلى يفترض بلوغه من طريق "الإصلاح" المبهم، أو هم يشترطون على أحرار العرب الإنتساب إلى المرتكزات الأساسية لعصر التنوير وإلا فلا شرعيّة لوقوفهم بوجه سلاطين البغي والجور، وقد فات "شبيحة الفكر والأدب" أنّ جوهر التنوير العقلاني يقضي بإثبات الحقوق الطبيعية اللامشروطة للفرد، وأنّ هذه الحقوق لا يكتسبها الفرد إن هو أعتنق الفكر التنويريّ، إنّما يكتسبها بولادته.
مع ذلك نقول أنّه لا يكفي إظهار تهافت "شبيحة الفكر والأدب". فلئن كان ينبغي درء نقدهم المسموم للربيع الثوريّ العربيّ، فإنّ الحاجة تبقى ماسة لنقد ونقد ذاتي أكثر جذريّة ومن داخل الربيع الثوريّ العربيّ نفسه، أي نقد ونقد ذاتي ينطلقان من ملاحظة إستمرار تأثّر أحرار العرب الثائرين بأنواع معيّنة وبمقولات شتّى مما يعرف بـ"ثقافة الممانعة والمقاومة".
ومن الشواهد على ذلك زعم كثير من هؤلاء الأحرار، أنّ الحاجة إلى الديموقراطية تعود إلى الحاجة لإعادة شحن "المعركة القوميّة الحضارية" بوجه الإمبرياليّة، أي إلى إعادة شحن"العقل الزحفيّ" نفسه الذي هو أساس البلاء، في حين أنّ الشرط اللازم للإنتقال إلى الديموقراطية في هذه المنطقة من العالم هو وعي أنّه ليس هناك صراعات لا تنتهي إلى أبد الآبدين، وهناك حدّ أقصى لا يمكن تجاوزه من "التذنيب" الذي يمكن أن يستثمره أبناء المستعمرات في مواجهة أبناء المستعمِرين. لا يعني ذلك أبداً أن الإنتقال إلى الديموقراطية يستلزم عدمية وطنية، على العكس تماماً، إنّما لا يجوز في الديموقراطية أن يضحّي جيل بنفسه بحجّة أنّه يفعل ذلك من أجل تأبين جيل سبقه أو من أجل إعداد جيل يأتي، فالديموقراطية وقبل أن تعني تداولاً للسلطة هي أولاً تداول بين الأجيال.
ومن ناحية ثانية، فإنّ الأفكار التي يعبّر أحرار العرب الثائرين اليوم عن ولائهم لها لا تزال تنظر إلى الدولة على أنّها دولة ذات وظيفة دمجية مركزية، ومن اللافت هنا أنّ "الفدرالية" ما زالت هي المقولة المحرّمة "التابو" على امتداد المنطقة العربية، وما زالت المقاربات الرائجة عربياً للقضية الكردية أو للمسألة الأمازيغية هي مقاربات قاصرة، ولم ينفع درس جنوب السودان حتى الآن، فلو كانت البلاد اعتمدت النظام الفدراليّ باكراً بعد فك الإرتباط مع مصر وجلاء الانكليز، لكانت الوحدة السودانية ممكن الحفاظ عليها.
كذلك لم ينجح بعد الربيع العربيّ في تجذير وعيه لما يعنيه كثير من أحرار العرب بـ"الدولة المدنية"، وهي دولة لا معنى لها إلا إذا ما استطاعت تجاوز ثنائية "العسكر والفقهاء" المحورية في نموذج "الدولة السلطانية" المتوارث من أيّام السلاجقة والمماليك وإلى اليوم، نحو دولة تقوم على مبدأ المساواة القانونية الكاملة بين المواطنين، وإن كانت علاقتها كدولة بالرموز والمؤسسات والممارسات الدينية داخل مجتمعها تتأسّس على ما يمكن تسميته من بعد جان جاك روسو بـ"الدين المدني"، أي مجموعة منتقاة من الرموز والشعائر بعضها مستلّ من التراثات الدينية وبعضها من الأساطير الوطنية المؤسسة، ويمكن من خلال هذا "الدين المدني" للدولة أن تنحاز هذه الدولة لدين الغالبية فيها، دون أن يكون في ذلك إجحاف بالأقليات الدينية.
إن التحرّر من "ثقافة الممانعة" لا يستكمل شروطه من دون التحرّر من "الدولة السلطانية" التي تشكّل "الجمهورية الوراثية التقدّمية" لدولة الممانعة شكلاً فظاً لها.
ورابعاً، فإنّ "ثقافة الممانعة" ما زالت تمسك بأشكال مختلفة من الربيع العربي في ما يتعلّق بميدان الأفكار الإقتصادية، ذلك أن إعتماد "نقد الفساد" مدخلاً لتفسير الإقتصاد ليس إلا تبني "وجهة نظر الممانعة في الشأن الإقتصادي" حتى لو افترضنا أن هذا النقد قد وجّه إلى كبار فاسدي منظومة الممانعة أنفسهم.
هي عناوين أربعة، ولا شكّ أنّ ثمّة عناوين أخرى، وهي تظهر أنّ أحرار العرب ما زال عليهم بذل الجهد الكثير لأجل الإفلات من متاهات "العقل الزحفي" و"الدولة السلطانية" لاستكمال شروط الإنتقال إلى الديموقراطية. فلئن كان الماركيز دو ساد يطالب الثوار الفرنسيين عام 1795 بـ"مزيد من الجهد إن أردتم إذا أردتم أن تكونوا جمهوريين" وكان يعني وقتها قطيعة مطلقة مع كل ما سبق الثورة بما في ذلك فلاسفة التنوير أنفسهم، فإن ما هو مطلوب اليوم عربياً هو أقلّ من ذلك بكثير، أي قطيعة الحدّ الأدنى مع "ثقافة الممانعة: الحق في أن نكون كالآخرين.