لم تعد تنفع الخطابات، ولا حتى الشعارات، في إصلاح الأحوال المتردّية التي يشكو منها معظم اللبنانيين، الذين يرزحون تحت ضغط أزمات معيشية واجتماعية متفاقمة، لا تُفيد المسكّنات في معالجتها، والحدّ من آلامها·
الناس ملّت من الخلافات، وسئمت من الصراعات، وتعبت من أساليب التحدّي ودعوات التوتير،·· وراحت تبحث عن لقمة العيش، عن مستقبل الشباب والأجيال الصاعدة، عن الأمن والاستقرار في بلد اعتاد الاستمرار على خط زلازل، يتقاطع فيه المحلّي مع الإقليمي و الدولي·
تداول السلطة في البلاد الديمقراطية، وما يرافقها من تشكيل حكومة جديدة، واعتماد نهج سياسي واقتصادي مختلف عن السلطة السابقة، يُثير عادة موجة ارتياح، نابعة من الآمال العريضة التي تُعلّقها الأكثرية الشعبية على إرادة التغيير والتطوير التي تحملها ا
لحكومة الجديدة، وإنجازاتها الموعودة· أما الوضع في لبنان فهو مختلف تماماً· كلما ولدت حكومة جديدة، يضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم خوفاً من انفجار الخلافات، وتفاقم الأزمات، وعجز الحكومة عن تحقيق الإنجازات! الأمر الذي يؤدي الى تضييع المزيد من الفرص، فضلاً عن هدر الكثير من الإمكانيات!
* * *
مناقشات جلسات الثقة كشفت عمق الهوّة السياسية التي تفصل بين الأكثرية الحالية والمعارضة· وأظهرت، مرة أخرى، المخاطر العديدة المحيطة بالبلد وأهله، من جرّاء تكريس الانقسام الحالي بين اللبنانيين، بين نصفين تعطّلت بينهما سُبل التواصل والحوار، وضاعت معهما الثقة التي لا غنى عنها لاستمرار عقد الشراكة ولو في حدّه الأدنى، بين أبناء الوطن الواحد·
والواقع أن القطيعة الحالية بين الأطراف السياسية الفاعلة في الموالاة والمعارضة تعتبر ظاهرة غريبة في تاريخ السياسة اللبنانية، التي كانت حافلة دائماً بالخلافات والصراعات السياسية، والتي كانت تتفجّر أحياناً في أزمات ساخنة، ومع ذلك كانت قيادة المراحل السابقة، والزعماء التاريخيين للطوائف اللبنانية يحرصون على حدّ أدنى من التواصل بينهم، والعمل على تبادل الرسائل والموفدين، سعياً لتدوير زوايا خلافاتهم، وبحثاً عن <الحلول الوسط>، التي تكرّس المبدأ الوطني الذي أطلقه الزعيم صائب سلام: لا غالب ولا مغلوب·
فإلى متى تستمر هذه القطيعة غير المبرّرة، وغير المنطقية، بين قيادات اختارها اللبنانيون لإدارة شؤون الوطن، وتأمين العيش الكريم في بلد اشتهر رجاله وشبابه بنجاحاتهم المميّزة في بلاد الانتشار شرقاً وغرباً؟
وكيف يمكن تحقيق الوفاق المنشود في مواجهة تحديات العدوان الاسرائيلي على ثرواتنا النفطية البحرية، في ظل هذه الاجواء الداخلية المشحونة بالتوتّر والإنقسام والتحدي؟
* * *
في العشاء التكريمي للبطريرك مار بشارة الراعي، وضع الرئيس ميشال سليمان اصبعه على الجرح مباشرة، عندما وصف مخاطر الوضع الحالي بكلمات قليلة ولكنها معبِّرة حين قال: <أظهرت نقاشات الأسابيع الأخيرة (···) كم أصبح لبنان في حاجة الى مصالحة حقيقية، وحوار صريح وشامل، وعمل سريع هادف الى إعادة بناء عناصر الثقة بين قادته، ومختلف مكوّنات شعبه، خاصة وأن النظام اللبناني يحترم التعددية، ويحرص على التوافق في فلسفة تكوينه>·
كيف نُعيد بناء الثقة طالما بقي الحوار بين الأطراف السياسية والحزبية الأساسية معطلاً، في ظل قطيعة تباعد بين القيادات، وتترك مجالا للعناصر المشوشة ان تلعب دورها القذر في تعميق مشاعر الشك والنفور بين زعماء الصف الاول؟
وعلى سيرة العشاء الرئاسي، كنا نتمنى لو اتخذت هذه المناسبة التكريمية للبطريرك الماروني، طابعاً وطنياً جامعاً، إنطلاقاً من أن اللبنانيين يعتبرون بكركي مرجعية وطنية، وصاحبة مواقف تاريخية مؤثّرة في مسيرة الاستقلال والسيادة والحرية، وذلك بقدر ما هي مرجعية دينية بحجم بطريركية أنطاكية وسائر المشرق·
إن العودة الى طاولة الحوار الوطني ليس هو الحل الأمثل، ولا حتى الأنسب، وذلك قياساً على فشل جلسات الحوار الأخيرة في بعبدا، بسبب انقطاع قنوات الحوار الثنائي المباشر بين فريقي الحوار: لا حزب الله يحاور المستقبل، ولا المستقبل يحاور التيار الوطني، ولا الأخير يحاور الكتائب والقوات اللبنانية، ولا حركة أمل تحاور أحداً في الطرف الآخر، الى آخر السلطة التي تشكل مكوّنات طاولة الحوار·
فما هو السبيل لاختراق جدار القطيعة وفقدان الثقة بين قيادات الأكثرية والمعارضة؟·
* * *
لا نُغالي إذا قلنا أن أداء الحكومة الواعي والايجابي قد يشكّل مدخلاً مقبولاً لكسر الجليد القائم منذ فترة مع قوى 14 آذار، وذلك في حال أتيح لرئيس الحكومة من قبل حلفائه في الوزارة أن يحقق وعوده بالالتزام بالقرارات الدولية، وخاصة القرار 1757 الخاص بإنشاء المحكمة، والقيام بتعهدات لبنان كاملة تجاه هذه المحكمة، التي ترفض أكثرية اللبنانيين إتهامات تسييسها حتى يثبت العكس·
كما أن حرص الرئيسين سليمان وميقاتي على الإبتعاد عن الكيدية في قرارات التعيينات والمناقلات الواسعة المزمع إجراؤها في الإدارات والمؤسسات العامة، من شأن هذا الحرص، إذا لقي تجاوباً من <حزب الله> والتيار العوني وحلفائهما أصحاب الأكثرية في مجلس الوزراء، أن ينفّس الكثير من أجواء الاحتقان والتوتر، وبالتالي يُعزّز مساعي فتح قنوات الحوار، ولو على مستويات معقولة في بادئ الأمر·
ولا ننسى أن كلام الرئيس سعد الحريري الأخير عن استعداده للقاء السيّد حسن نصر الله، وعن احتمال إقدام المعارضة على تأييد أي مشروع اقتصادي يفيد البلد، بغضّ النظر عن الخلاف السياسي مع الحكومة الحالية، فضلاً عن حرص الرئيس فؤاد السنيورة على الحفاظ على خطوط تواصل مع رئيس الحكومة، وأطراف أخرى معنيّة بملف ترسيم الحدود البحرية، نقول إن من شأن كل ذلك أن يُمهّد الأجواء الضرورية، إذا صفيت النوايا عند قادة 8 آذار، ويُعزّز مساعي رئيس الجمهورية في مشاوراته المقبلة مع الأقطاب، بحثاً عن الصيغة الملائمة للعودة إلى طاولة الحوار·
* * *
إن التحديات الخطيرة المحدقة بلبنان تتطلب من الجميع، في الموالاة والمعارضة، الارتفاع فوق مستوى الخلافات السياسية الآنية، والبحث عن القواسم المشتركة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الأطماع الإسرائيلية في ثرواتنا النفطية·
ما أنجزته حكومتا السنيورة والحريري في تأسيس هذا الملف ودرء الأخطار التي تُهدّد حقوقنا الطبيعية يستحق الثناء والتقدير، خاصة وأن الوزير الحالي الممسك بهذا الملف هو نفسه الذي كان مسؤولاً عنه في الحكومة السابقة، وبالتالي يجب متابعة الجهود لحماية ثروتنا الوطنية، وعدم التلهي بمعارك <دون كيشوتية> فارغة، بحجة تقصير الحكومتين السابقتين في هذا المجال، وهو ما تدحضه الوقائع والإثباتات·
وإذا كانت العودة إلى الحوار تحتاج بعض الوقت، فإن أداء الحكومة هو على محك الحوار··· ومساعي إعادة الثقة بين اللبنانيين!·