ليس غريبا أن تكون التعيينات القضائية مسيّسة في بلد تدخل السياسة في كل شيء، إنما الأكثر غرابة أن تصبح الطوائف تتحكّم بمصالح السياسيين، ولا يمكن العبور إلى أيّ مركز في مراكز الدولة، حتى القضائية منها، إلا عبر الطوائف.
في جلستها الأخيرة في 14 تموز، أقرّت لجنة المال والموازنة برئاسة النائب إبراهيم كنعان وحضور وزير المال محمد الصفدي ووزير العدل شكيب قرطباوي مشروع قانون لسلسلة الرواتب للقضاة العدليين والقضاة والإداريين في مجلس شورى الدولة، والقضاة الماليين في ديوان المحاسبة، يقضي برفع الراتب الشهري للقاضي المعيّن حديثا إلى أربعة ملايين ومئة ألف ليرة لبنانية، على أن ينال مبلغ مئتين وخمسين ألف ليرة عن كلّ درجة تستحقّ له فيما بعد، وتكون بحكم القانون كلّ سنتي عمل فعلية.
وعلى ما يبدو، فإنّ هذا المشروع في ظاهره خطوة نحو تعزيز القضاء. وقد اعتبر رئيس اللجنة على أثر الاجتماع، أنّها خطوة جذرية لم تحصل منذ الاستقلال…
لكن، الأمور تبدو على غير ظاهرها حسب أوساط قضائية، باعتبار أنّ مطالب القضاة بتحسين أوضاعهم المالية التي عبّر عنها قسم من هذا المشروع، قد وُضعت واستُغلّت لتمرير أهداف مبطّنة ترمي إلى تمكين الحكومة من إجراء تعيينات قضائيّة، من دون أن تكون ملتزمة حكم القانون بعدد قليل من قضاة لديهم درجات محدّدة تؤهلهم لتولّي المراكز، بحيث إنّ المادة الخامسة أعطت القضاة ولمرّة واحدة درجتين استثنائيتين، ممّا يجعل عددا من القضاة المحظوظين والمقرّبين من أصحاب "الأيدي الخفيّة" التي مرّرت بند الدرجتين، على تساوٍ مع قضاة أعلى منهم درجة، وذلك في إمكان تعيينهم في المراكز الحسّاسة. عِلما "أنّ القانون يفرض أن يكون القاضي المرشّح إلى أحد المراكز القضائية الحسّاسة من درجة محددة، كما هي الحال في رئاسة مجلس القضاء الأعلى أو النائب العام التمييزي الذي يفترض أن يكون من الدرجة الرابعة عشرة وما فوق، أو مفوّض الحكومة لدى ديوان المحاسبة، أو غيرها من المراكز الشاغرة، أو مرشحة للشغور في المرحلة المقبلة، سواء بالتقاعد أو لرغبة لدى الحكومة في التغيير.
وحسب المصادر القضائية، حتى لو كانت هذه الهبة، والتي تعادل مبلغ خمسمئة ألف ليرة لبنانية والتي ستزاد على الراتب الشهري، تشكل خطوة إيجابية، فما من أسباب موجبة لها، باعتبار أنّ أيّ زيادة لراتب القاضي يمكن وضعها ضمن السلسلة نفسها التي يتضمّنها مشروع القانون نفسه، إلّا أنّ إضافتها كبند مستقلّ لا تهدف إلى إعطاء حقوق مالية للقضاة، إنما إلى ترفيع درجة بعض القضاة المقرّبين من النافذين في الحكومة ليتسنّى تعيينهم.
ولفتت مراجع قضائية أخرى إلى أنّ الحكومة قد يكون لديها بعض القضاة المؤهّلين لتولّي المراكز الحسّاسة، تستطيع أن ترتاح لأدائهم. لكن البعض الآخر ومن لا تتوافر فيهم شروط الدرجة القضائية، يسعون من خلال أعضاء في الأكثرية الجديدة إلى تمرير القانون بصيغته المقترحة لتتوافر فيهم شروط الدرجات، وبالتالي يتمّ اختيارهم في المراكز الحسّاسة المشار إليها بدلا من غيرهم ممّن استحقوا درجاتهم وفقا لأصول التدرج.
وفي تدقيق لنص مشروع القانون، ورد في البند الأول أنّ الزيادة المقترحة لراتب القاضي لا تؤدّي إلى تعديل في الرتبة، وهذا الأمر لم يُعطَ له تفسير موحّد حتى بين القضاة ورجال القانون، فأخذ كلّ منهم يفسّره حسب رغباته الشخصية وطموحاته.
وأوضحت المصادر أنّ القاضي الذي عُيّن حديثا أضحى يجاهر في حقّه بتولّي مراكز متقدّمة في القضاء، وكان لا بدّ من مراجعة مَن تولّى وضع هذا القانون.
رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم الذي ساهمت لجنته في إعداد القانون، أوضح لـ"الجمهورية" أنّ المسألة ليست سياسية في الشكل الذي يصوّرونه، وأنّ الدرجتين أعطيتا استثنائيّا مع إضافة على الرتبة والراتب. رغم أنّ البند الخامس في المشروع لم يوضح النصّ وأقرّ زيادة السلسلة من دون التعديل في الرتبة.
وأضاف غانم: إنّ لجنة الإدارة والعدل، وهي مؤلفة من أربعة عشر قاضيا، كانت قد وضعت دراسة لهذا الموضوع منذ عامين. ولم ينفِ غانم أنّ ذلك تمّ بناءً على طلب قضاة بقاعيين تمنّوا على اللجنة إقرار الدرجتين الاستثنائيتين لتسيير العمل القضائي في محاكم الاستئناف بحجّة النقص في عدد قضاة الدرجات الوسطى، وهاتان الدرجتان تؤهلهما للعمل في المحاكم الاستئنافية، ولا غاية سياسية من ترفيعهم.
وبناء على ما ذكر، فإنّ انتماء بعض القضاة إلى محافظة معيّنة سيجعل نوّابا معارضين في تلك المحافظة مشاركين مع قسم من الأكثرية في الحكومة، لإيصال قضاة إلى المراكز المهمّة واستبعاد آخرين لا رغبة في وصولهم، وإعطاء درجتين استثنائيتين للقضاة من دون أسباب موجبة، ما سيجعل أكثر من خمسمئة قاض في لبنان يحصلون على مبلغ 500 ألف ليرة، إضافة إلى الزيادة التي حصلوا عليها، فقط لإيصال قضاة محظوظين!!
ولكن السؤال الحقيقي يبقى، هل الهدف الحقيقي من المشروع هو تحسين وضع القضاة؟ أم رفع درجات بعض القضاة البقاعيّين المحسوبين على الأكثرية الجديدة، وبالتحديد قاضيين بقاعيين، ليتمكّنا من تولّي منصب قضائي حسّاس في حال إقصاء شخصية قضائية بارزة بطريقة ما، وتعيين بديل عنها، أو بعد إحالتها إلى التقاعد في السنة المقبلة؟
يبدو أنّ سياسة الترغيب عبر إعطاء الحقوق المالية للقضاة ستُعتمد للسيطرة على القضاء… لا لتعزيزه، بل لإيصال قضاة معيّنين إلى المراكز الحسّاسة المرشحة للشغور في الزمن المقبل حسب ما تتهامس كواليس قصور العدل.