#adsense

النشيد الوطني اللبناني مفخرة وطنية

حجم الخط

لم أكن أودّ أن أعلّق على ما كُتب وقيل في حق النشيد الوطني اللبناني وعلاقته بنشيد جمهورية الريف المغربية، ولا على ما اثير من تشكيك في مصداقية ملحّن النشيد وديع صبرا وفنّه، وما رافق ذلك من مس برموز وطنية جامعة كانت بالامس القريب من المسلّمات. ولكن مع كثرة التأويلات وجواباً على التساؤلات رأيت لزاماً عليّ أن أوضح:

أولاً – إن النشيد الوطني اللبناني هو من أقدم الأناشيد الوطنية العربية وأجملها. كتب كلماته شاعر كبير هو رشيد نخله، ولحّنه موسيقي عظيم هو وديع صبرا. وهذه حقيقة لا ينبغي التشكيك فيها عند ادنى معلومة خاطئة او اشاعة مغرضة. وقد نسخ البعض في الدول العربية النشيد الوطني اللبناني وزناً شعرياً ولحناً في أناشيد وضعوها على منواله.

ثانياً، ان شعراء المهجر هم اول من صاغوا الاناشيد في اشعارهم بهدف الخروج عن هيكل القصيدة التقليدية والتجديد في الشعر العربي، مثل فوزي المعلوف في ملحمته "شمعة العذاب" ومطولته "على بساط الريح"، ونسيب عريضة في "على طريق إرم"، ونعمة قازان في "معلّقة الأرز"، وشفيق معلوف في "عبقر"، وغيرهم. ويُعتبر خليل مطران (1872 – 1949) ناظم اول نشيد وطني وضع للحركة الوطنية في مصر بعد وفاة الزعيم مصطفى كامل، وقد وضعه في باريس سنة 1911. ويندرج النشيد الوطني اللبناني في اطار الشعر التجديدي في الوطن العربي.

ان نشيد جمهورية الريف، الذي وضعه ابرهيم طوقان باللغة العربية، لا يعود الى فترة قيام الجمهورية، بل الى مرحلة لاحقة لها. ويذكر كتاب "الاناشيد الوطنية المغربية ودورها في حركة التحرير"، لمؤلفه الباحث الموسيقي المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل (مطبوعات اكاديمية المملكة المغربية، سلسلة "تراث"، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2005 ان نشيد "يا مناط الامل" من نظم عبدالله كنون، هو على نسق النشيد الوطني اللبناني لرشيد نخله، ونشيد "ثورة الريف" لابراهيم طوقان (ص 72)، ويضيف الاستاذ بن عبد الجليل بأن هذا الصنف "يقارب الاناشيد التي نظّم كلماتها شعراء مغاربة وافرغوها في ألحان مقتبسة من أناشيد مشرقية. ومن أمثلتها نشيد "يا مناط الامل" للمرحوم الاستاذ عبدالله كنون، وقد "أفرغ في لحن النشيد الرسمي للبنان" (ص77). لحّنه صبرا على مقام صول الكبير… (ص 132)، نشيد "كشاف هيّا" من نظم بشارة الخوري ولحن فليفل اخوان، على مقام لا بيمول الكبير، ونشيد "نحن الشباب" هو على مقام سي بيمول الكبير (ص 133).

ويعطي عبد الجليل لحن النشيد الوطني اللبناني نموذجاً للألحان التي استُعملت في أناشيد أخرى، ومن بينها نشيد الريف، فيقول (ص144): "ومن نماذج الاناشيد، التي انسحب عليها لحن موسيقي واحد، نشير الى النشيد الرسمي للبنان الشقيق الذي لحنه وديع صبرا، على مقام صول الكبير… فلقد تردد لحنه مع كلمات ثلاثة أناشيد أخرى هي على التوالي:

1 – نشيد بطل الريف لابراهيم طوقان، ومطلعه:
في ثنايا العجاج
والتحام السيوف

2 – نشيد "يا مناط الامل" لعبدالله كنون، واوله:
يا مناط الامل
يا رجال الغد

3 – نشيد "وحدة المغرب" لابرهيم الإلغي، وأوله:
وحدة المغرب
حزبها في فلاح
فهي للمغرب
الحر أمضى سلاح

ويضيف ان لحن نشيد الريف "هو نفسه لحن النشيد اللبناني الرسمي. ومطلعه: كلنا للوطن للعلى للعلم. وهو من وضع وديع صبرا. يستند الاستاذ بن عبد الجليل بذلك الى ما ورد في ديوان ابرهيم طوقان – دار الشرق الجديد، ط 1 – 1955، ص 194، ليؤكد ان نشيد الريف هو من لحن وديع صبرا. وهذا اثبات آخر لا بد ان يُقنع من لا يزال الشك يخامر نفسه حيال هذا الموضوع. فإذا كان المغاربة أنفسهم يعترفون بأن نشيد جمهورية الريف منسوخ قالباً ولحناً عن النشيد الوطني اللبناني، فهل يجوز ان يشكك اللبنانيون في ما عليهم ان يفخروا به؟

وأخيراً، في زمن الصعوبات لا بد من التمسك بالمسلّمات، وعدم الانجرار وراء الاقاويل التي تزعزع الايمان بالوطن ومقوماته. وحبذا لو ندقق في المعلومات التي تصلنا، كأفراد ومؤسسات، والتي من شأنها زرع بذور الشك في ما يجب ان نؤمن ونتمسك به، قبل ان نعمل بدورنا على تداولها ونشرها.

الاب يوسف طنوس
(باحث موسيقي وعميد كلية الموسيقى في جامعة الروح القدس في الكسليك)

المصدر:
النهار

خبر عاجل