في الاساس وقياساً بتجارب الماضي القريب، ثبت بالوجه السياسي المحسوس لجميع اللبنانيين، ان الحوار وسط الانقسام العمودي الذي يضرب عمق الحياة السياسية في لبنان ليس اكثر من "طاولة على الطريق"!
وفي الاساس ووسط "زنقة البلاد" بالانقسام المتمادي بين 14 آذار وشعار الوفاء لدماء الشهداء والولاء للبنان، وبين 8 آذار وشعار الوفاء لسوريا، اقترح الرئيس نبيه بري فكرة "طاولة" الحوار، التي تحولت في ما بعد "المؤتمر" الوطني للحوار.
ليس هناك بالطبع من لا يتذكر قصة تلك الطاولة، كيف بدأت وكيف تمت هندستها بيضوية، لا مستطيلة او مربعة، ربما لأن الفرسان الذين جلسوا اليها كانوا، عليم الله، سواسية كأسنان المشط، او لكأنهم حراس مملكة كاميلوت. وليس هناك بالتأكيد من لايتذكر الآن في اي منقلب صارت القرارات التي اتخذتها "الطاولة" واين صارت الخلافات التي واجهها "المؤتمر" الوطني من غير شر!
لقد تم الاتفاق في ربع ساعة على موضوع المحكمة الدولية والعدالة، خلال الجلسة الاولى لطاولة الحوار، كما اتفق على نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وعلى ترسيم الحدود مع سوريا، فأين اصبحت الآن هذه الاتفاقات؟
يكفي ان نتذكر الخلاف المتعاظم على المحكمة والعدالة، الذي عطّل الحكومات وأسقط حكومة سعد الحريري، وانقلب على نتائج الانتخابات، ثم عدّل بسطوة السلاح، ميزان الاكثرية النيابية لتقوم حكومة تتحدث نظرياً عن العدالة، لكنها تضع المحكمة تحت مقصلة كلمة "مبدئياً" التي تشكل اسقاطاً ضمنياً لها او بياناً اتهامياً بحقها. واين اصبحت قصة سلاح المخيمات؟ ربما علينا ان نسأل الاستونيين السبعة، الذين دخلوا البلاد وخطفوا ثم أُعيدوا وأطلقوا والدولة في خبر كان.
كل هذا ليس خافياً على الرئيس ميشال سليمان، الذي ربما من قبيل التحدي يركب مجازفة الدعوة مجدداً الى الحوار، قائلاً انه سيباشر سلسلة من المشاورات لبلورة اطر حوارية لحماية لبنان، من دون التوقف عن السعي الى استراتيجية وطنية دفاعية. وهو ليس خافياً ايضا على الرئيس نبيه بري المستعد الآن للجلوس الى طاولة حوار على قارعة الطريق. ولكن الرئيس نجيب ميقاتي سارع من الجنوب الى اقفال باب البحث عن هذه الاستراتيجية، بإحكام مزالج ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" على اي حوار او اجتهاد!
ان الاسئلة الثلاثة التي طرحتها 14 آذار على ميقاتي خلال الاستشارات، كانت باباً مفتوحاً على الحوار رغم "الانقلاب"، لكنه لم يرد عليها. وعندما تتم تهيئة السجون كما قيل علناً، استعداداً لمفاعيل سياسات الانتقام والكيدية رغم كل التطمينات، فمن اين سيجد سليمان العناصر المساعدة فعلاً على اقامة "حوار المستحيل" بين سلطة راهنة بعضها ينادي بإلغاء الآخرين ومعارضة راهنة هدفها اسقاط الحكومة ولو في حملة شعواء… وكل ذلك في ظل زلزال المحكمة والتطورات السورية الجامحة؟!