يبدو أنّ المشكلة الأكثر تعقيدا في لبنان اليوم، أن بعض الأطراف ربطوا مصير البلد بالمشكلات الإقليمية، أو بالأحرى ساهمت في زيادة ارتباطه بمشكلة المنطقة كلها، والارتباط معناه أنّ طرفا خارجيا يتدخّل، وعلى اللبنانيين الانتظار والمعاناة أيضا ودفع ثمن باهظ عن الآخرين، وتلك مسألة أمام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
فما بين الأربعاء في 26 آذار 2011 والخميس في 14 تموز، ذكرى "الثورة الفرنسية" مئة وستّة أيام مرّت على خطف الأستونيين السبعة، وبمسافة لم تتجاوز الثلاثين كيلومترا ما بين نقطة الاختطاف ونقطة الإفراج، أيام ومسافات مشوبة بكل أصناف الغموض، إذ لغاية اليوم بقيت كل الأسئلة عمّن خطّط ومن نفّذ ومن تستّر على هؤلاء من دون أجوبة. لكنّ الجواب القاطع الذي أدركه العالم بأسره، كما اللبنانيون، أن الساحة اللبنانية ما زالت بمثابة ملعب مفتوح وصندوق بريد ومرآة تعكس الصراعات العربية والإقليمية والدولية في المنطقة، وذلك سيستمرّ طالما هنالك حال من الضعف البنيوي في أساس الدولة اللبنانية يجعل لبنان معرّضا دائما للانكشاف تجاه الخارج وجاذبا للتدخّل الخارجي.
ووفقا لأوساط دبلوماسية غربية في بيروت، فإنّ مقولة السيادة والاستقلال وعزل لبنان عن المحيط سقطت خلال الفترة الماضية، وتحديدا منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إذ فتحت الساحة الأمنية على المشاريع الإقليمية، وبات أكثر من لاعب دولي وإقليمي ينفّذ روزنامة بلاده ومصالحها مباشرة أو غير مباشرة عبر وسطاء ووكلاء محلّيين.
فتداعيات الأزمات الإقليمية حضرت في قوّة في المشهد اللبناني أخيرا، وأبرزها عدم الاستقرار في سوريا، وتوقّف عملية التسوية مع إسرائيل، والصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني، والخلاف العربي ـ الإيراني. ومع تآكل المناعة الداخلية للمجتمع المحلي انكشف هذا المجتمع على المشهدين الإقليمي والعربي، كما الدولي. وينبئ الانقسام العمودي في الشارع، كما داخل الطبقة السياسية، بفصول جديدة من انعدام الوزن، وخصوصا على المستوى الأمني، بدأت مع الإنتهاكات الإسرائيلية البحرية، كما البرّية، للسيادة اللبنانية، ولن تنتهي، طبعا، بفصل الخطف "المجهول" لمواطنين أستونيين في منطقة البقاع، والذي أدّى لبنان فيه دور "المتفرّج" الذي ساعد في نجاح مسرحية "خطف الرهائن". فالمشهد المحزن الذي رافق عملية الإفراج عن الرهائن، أظهر أن الدولة اللبنانية بكل أجهزتها كانت الغائب الأوحد عن هذه العملية، ولا سيّما عن واقعة تحرير المخطوفين وعن المفاوضات التي كانت تدور بين الدولة الأستونية وشخصيات دبلوماسية من جهة، والخاطفين والجهات التي تقف وراءهم من جهة ثانية، حتى إنّ من أفرج عن الرهائن اشترط مسبقا عدم الوجود الأمني اللبناني في المكان، حيث سلّم هؤلاء إلى الوفد الفرنسي.
وبالتوازي، يأتي تحديد إسرائيل للحدود البحرية بينها وبين قبرص وتغييب لبنان كدليل جديد على الغياب الفاضح للموقف اللبناني، وانشغال مسؤوليه بالصراع على السلطة من جهة، والصراع في ما بينهم من جهة أخرى، ذلك أنّ خطر "العدوان" البحري الإسرائيلي الأخير لم يساهم في تعزيز الموقف الداخلي بين المعارضين والموالين على رغم استنكارهم له، بل على العكس ساهم في تعميق الخلافات، وهو ما أفقد الدولة ورقة كانت رابحة في مجلس الأمن الدولي بعدما أدخلها السياسيون في بازارهم اليومي.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات حول برنامج الحكومة الحالية وخطّتها للاضطلاع بالوضع وتحصينه أو تحييده عن أزمات المنطقة. كما رأت الأوساط الدبلوماسية عينها، والتي اعتبرت أنه أمام الرئيس نجيب ميقاتي فرصة لوقف التجاذب الخارجي على الملعب اللبناني من خلال توفير شبكة أمان لحماية الساحة المحلية من تأثيرات المحيط "المشتعل" والتوتّر في الأشهر المقبلة، والذي لن يكون مقتصرا على الملف السوري فقط. ولاحظت أن هذه الحماية لن يتمكّن فريق واحد من تأمينها، بل تتطلّب تضافرا في الجهود بين كل الأفرقاء، وهو ما يبدو صعب المنال اليوم، إلا إذا اقترنت دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى إحياء الحوار الوطني بإرادة جدّية لدى الحكومة للتعاون مع المعارضة!