لم يخرج صوت واحد عاقل ليعلّق على الكلام المنسوب ـ حتى الآن ـ إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر الشريف، بل بوضوح أكبر حتى الأصوات العاقلة بين المسلمين بدأت تنخرط في عصفورية الفتنة المذهبيّة ودمويتها الموعودة، أمام الشروخ الهائلة التي تضرب بنيان أمّة المسلمين، من تسنّى له أن يُشاهد بالأمس الحملة المسعورة التي تشنّها قناة «وصال» على الدكتور أحمد الطيب يصاب بإحباط شديد، خصوصاً إذ ما تسنّى له أيضاً مشاهدة بعض ما تعرضه قناة «الأنوار» التي يندى الجبين ويضيق الصدر بافتراءاتها على صحابة رسول الله وأمهات المؤمنين، فأيّ عقل تخاطب أقنية كهذه، إن هي إلا قنوات إشعال الغرائز البهيميّة في المسلمين؟!
والمدهش في الخبر الذي سرى كما النار في الهشيم أنّ الصحف المصرية تنقله منسوباً إلى «وكالة مهر الإيرانيّة» مع أنّه صيغ نقلاً عن لقاء عقده شيخ الأزهر مع بعض الاعلاميين والنشطاء السياسيين الذين ينتمون للتيار الناصري، قال فيه: «إن الإسلام يفخر بوجود المجاهد الكبير السيد حسن نصرالله كمجاهد مسلم لقن الصهاينة دروساً لن ينسوها»، ليس في كلام شيخ الأزهر ما يثير حفيظة أي مسلم، إلا إذا كانت قناة «وصال» تريد أن تحمل المسلمين السُنّة على قتل المسلمين الشيعة ما دامت لا تكفّ ليل نهار عن بثّ ما يؤكّد «ما هم بأمّة أحمد»، أليس في هذا رخصة قتل لم يأتِ أوان إعلانها بعد؟! وبنفس المقدار من الخطورة تجهد قناة «الأنوار» في الحثّ على قتل المسلمين السُنّة بإخراجهم من الملّة والدين والتوحيد؟!
ما قاله شيخ الأزهر هو أمر حقيقي وواقع ولا يُنكره إلا جاحد لتضحيات الرجل طوال مقاومته للاحتلال الإسرائيلي فهو جاهد بنفسه وولده ولا نظنّ أنّ هناك أغلى من النفس والولد، فلا يذهبنَّ بنا السياسي بعقولنا فتغلبنا غرائز حيوانية لا تقود إلا إلى تهلكة، وكأن البعض لم يسمع إلى قول رسول الله «من كفّر مسلماً فقد كفر»، نختلف مع سياسة السيّد نصرالله وحزبه في كلّ تفاصيل سياسته، إلا أننا لا ننتقص من حقّه في موضوع مقاتلته العدو وكسر شكوته.
هذا الشحن البغيض ضدّ شيخ الأزهر من قبل فضائيات متطرفة، لاقاه بالأمس وفي نفس الوقت التطرّف الشيعي الآخر فتصدّر الخبر المواقع وكأنّ الكلام أمر فيه صكّ براءة من «الشرك»، يفتقد العالم الإسلامي اليوم رجال وأئمة كبار في صلابة ويقين وفقاهة الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام جعفر الصادق، لم يخرج شيخ الأزهر عن صواب الإسلام ونقائه عندما كشف أنّ «الرئيس المصري السابق وعدداً من المقربين منه والمحسوبين على أنهم اركان نظامه الامني، كانوا يضغطون عليه وبشدة الى حد التهديد غير المباشر كي يشكك في عقيدة المسلمين الشيعة، ولكنه رفض كل هذه الضغوط لانه كان يدرك جيداً وجود اهداف سياسية وراءها»، أفليست هذه هي آفة المسلمين الكبرى في هذا الزمن منذ أصبح العلماء تبعاً لهوى وشياطين السياسة؟!
بالأمس تجاهل كثيرون ما قاله شيخ الأزهر عن القدس الشريف فيما اعتبره بلاغاً عاماً لمسلمي هذه الأمة وقياداتها: «فقد استنكر تورط منظمة اليونسكو في شؤون سياسية تهدد استقرار السلم العالمي، وأن ذلك يعتبر محاولة لاغتصاب القدس واختطافها لتكون عاصمة لإسرائيل، وأكد أن القدس الشريف هي بالنسبة لجميع الدول الإسلامية القبلة الأولى والحرم الثالث المقدس، وأكد أن القدس «خط أحمر» في نظر المسلمين كافة معتبراً هذا البيان بلاغاً عاماً للأمة الإسلامية»، فليسكت كلّ من السُنّة والشيعة أبواق الفتنة فيهم لأنها تنطق بلسان إبليس، فلا نبش القبور ولا بعثرة التاريخ وروايته على غير حقيقته، ولا الخوض في أعراض النبيّ وأمهات المؤمنين والصحابة المكرمين وإخواننا الذين سبقونا في الإيمان سيغيّر ما بواقع المسلمين من أزمات بل سيزيد الشروخ والدماء، علّ هؤلاء الخائضين فيما لا يرضاه الله ورسوله أن يتذّكروا الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه يوم اقتيد إلى الخليفة بالقيود بتهمة التشيّع فنطق بالحقّ: «دماء طهّر الله أيدينا منها أفلا نطهّر ألسنتنا»؟!
السكوت عن هذا التحريض والشحن أشدّ من الفتن التي تزرعها بين ظهراني الأمة وكأنها ينقصها الدماء والتشرذم، أمّا ما ابتليت به مصر من صراحة التكفيريين بعد الثورة دعاة هدم مقامات جليلة حفظتها وأجلّتها أرض مصر، من مقام الإمام الحسين، ومقام السيدة زينب، والسيدة نفيسة، والإمام الشافعي، فأعان الله شيخ الأزهر على ردّ ضغائنهم وظلماتهم عن مصر، فأول الهدم إن بدىء فيها، لن ينتهي إلا بهدم الحجرة الشريفة في الروض الشريف في حرم مدينة النبيّ صلوات الله عليه، إنّه وقت العقل والوعي فيما البعض يرسّخ لفكر «القاعدة» من جديد تحت عناوين أخرى متفرّغ للشحن والفتنة والبغي!!