#adsense

إقرأ تفرح… شاهد تحزن

حجم الخط

نسمع كثيرا في هذه الأيام دعوات الى تعديل الدستور في سوريا، أو أجراء أصلاحات في متنه تنقله الى مصاف الدساتير الحديثة والحضارية. يبدو أنّ أصحاب هذه الدعوات لم يقرأوا بإمعان ما يتضمّنه الدستور السوري في موضوع الحرية، وهو الحيّز الذي يهمّنا ولن نتطرّق لسواه في بحثنا. وإذا قلبنا قاعدة البحث الموضوعي، لنبدأ بالأستنتاج بدلا من المقدّمات والفرضيّات، يمكن أن نقول بعد قراءة سريعة: انّ الدستور السوري ليس بحاجة الى أيّ أصلاح في هذا المجال.

بالعودة الى استعراض بعض المواد الدستورية التي تتعاطى مع شأن الحريّات في سوريا، فانّنا نقع على ما يأتي: تتضمّن الفقرة الرابعة من مقدّمة الدستور أنّ الحرية حق مقدّس وأنّ الديمقراطية الشعبية هي الصيغة المثالية التي تكفل للمواطن ممارسة حريّته التي تجعل منه أنسانا كريما قادرا على العطاء والبناء… وحرية المواطن لا يصونها إلاّ المواطنين الأحرار. وتتحدّث المادة 25 من الفصل الرابع عن أنّ من واجب الدولة الحفاظ على حرية المواطنين وأمنهم وكرامتهم، فالمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. وتنصّ المادة 26 على حق المواطن في المساهمة في الحياة السياسية والأقتصادية والأجتماعية. أمّا المادة 28 فتشير في بندها الثالث الى أنّه لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة… وتنصّ المادة 35 على أنّ حرية الأعتقاد مصونة، وأنّ الدولة تكفل ممارسة الشعائر الدينية. وتمنح المادة 38 المواطن حق الأعراب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة، كما تكفل الدولة حرية الصحافة والأعلام وفق القانون. أمّا المادة 39 فتتضمّن الأشارة الى حق التظاهر السلمي، فيما ينظّم القانون ممارسة هذا الحق.

انطلاقا ممّا تقدّم، يمكن الجزم بأنّه لا يوجد في أيّ من دساتير الدول الديمقراطية ما يتجاوز في مضمونه نصوص الدستور السوري بموضوع الحريّات. فالمشكلة ليست في الدستور، بل في ما تلاه من مراسيم تشريعية وقانون طوارئ وتعديلات حصلت في العام 1973. وهي المسؤولة عن الفجوة السحيقة التي تكوّنت بين السلطة وبين الشعب. وبحسب المعارضة، فقد تمّ ضرب المواد الدستورية بعرض الحائط، وعمدت السلطة تحت شعار أسترجاع الأرض المحتلّة في الجولان، وشعار مكافحة الأرهاب بعد حوادث أيلول في أميركا، الى أمساك البلد بيد حديدية. فأمعنت ظلما وتعسّفا وقهرا وقسوة دموية بالغة، مع كلّ من سوّلت له نفسه معارضة الحكم القائم. وسادت سياسة القمع وتهميش الرأي الآخر وتجاهل حقوق الأنسان، كما غاب الشعب عن المشاركة في تقرير مصيره.

انّ أبرز الممارسات التي طعنت الدستور في الصميم كانت بالأعدام السياسي والأعتقال التعسّفي العشوائي، وبالتعذيب داخل السجون، والتصدّي للتظاهرات باستخدام القوة المفرطة، وحلّ الجمعيّات السياسية والأجتماعية والثقافية والحقوقية، وبالقسوة في التعامل مع العناصر النقابية والأكاديمية بسبب الأراء السياسية، وباحتكار الموارد وظهور الأمبراطوريات المالية فيما نصف الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، وبفرض الآحادية الأعلامية بكمّ الأقلام الخارجة عن الأعلام الرسمي، هذا الأعلام الذي يقوم دوره على الأدلجة الروبوتيكية الأيدانتيكية، وبعدم الفصل بين السلطات. فرأس الهرم يشكّل المرجعيّة المطلقة في السياسة والقضاء والأقتصاد والأنتخابات وغيرها.

من هنا، تبدو الأشكالية في التطبيق وليس في نصّ الدستور تحديدا. فيكون المطلوب أذا هو تقويم الأعوجاج على مستوى الأسلوب أو ما يعرف بالأصلاح الأدائي. ولمّا كان الأسلوب هو الشخص ذاته، ولمّا كان التغيير يطال الأسلوب، فألى أيّ مدى يستطيع هذا الشخص أن يكون رائدا تغييريا ويلغي نفسه؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل