كتب شارل جبور: لم يعد من أدنى شك أن أكثر ما تحتاجه قوى "14 آذار" في هذا المنعطف التاريخي هو تكوين رؤية تحدد عبرها موقع لبنان في إطار حركة التغيير في المنطقة، كما وضع خطة لتوظيف كل القدرات والوسائل والإمكانات والأدوات المتاحة في سبيل إسقاط الحكومة واستعادة الأكثرية المسلوبة بقوة السلاح والعبور إلى الدولة.
ولم يعد من أدنى شك أيضا أن التعويل على العوامل والتطورات الخارجة عن إرادة "14 آذار" من المحكمة إلى الثورة السورية فضلا عن كونه استقالة طوعية من الحياة السياسية وهروب من المسؤولية الوطنية لا يوفر الضمانة المطلوبة لاستعادة السيادة الوطنية، هذه الضمانة التي لا يمكن توفيرها إلا بتضافر الجهود الداخلية وتقاطعها مع ظروف خارجية مواتية.
فثمة تلازم موضوعي بين رؤية تكرر الثوابت الاستقلالية وتوحد القراءة السياسية وخصوصا حيال الثورات العربية وبشكل أدق السورية، وبين خطة تحدد الأولويات وتوزع المسؤوليات داخل قوى "14 آذار". ولا نكشف سرا إن قلنا إن قادة الحركة الاستقلالية ينكبون على وضع الرؤية زائد الخطة، حيث من المرجح أن تبصرا النور قريبا.
وإذا كانت الرؤية ستصدر على شكل وثيقة سياسية تعيد صياغة المشروع السياسي في ضوء حركة التغيير العربية، فإن الخطة لا تخرج عن سياق تمكين الحركة الاستقلالية من استنهاض طاقاتها عبر إشراك هذه الطاقات في بنية "14 آذار" وهيكليتها، خصوصا أن المواجهة، أي مواجهة، تتطلب وضع عنوان للمعركة وأدوات لإدارة هذه المعركة.
ومن بين هذه الأدوات ما هو معروف من الهيئة القيادية إلى الكتلة البرلمانية وما بينهما المجلس الوطني، وما هو مستجد من تشكيل فرق عمل مهمتها متابعة جدول أعمال مجلس الوزراء وتفعيل عمل اللجان النيابية إلى إنشاء "مطبخ إعلامي" و"بنك معلومات" للتعبئة الإعلامية – السياسية ومواجهة الطرف الآخر بالوقائع والمستندات والأرقام.
هذا في الجانب التنظيمي – السياسي، أما في الجانب التحليلي – السياسي، فتبقى الأنظار شاخصة على التطوارات الحاصلة في ملفي سوريا والمحكمة. ففي الملف السوري يمكن التوقف أمام الاحتمالات الثلاثة الآتية:
الاحتمال الأول: أن تطول الأزمة السورية في ظل عجز النظام والمعارضة على الحسم كل لمصلحته، وهذا ما ينعكس سلبا على لبنان كونه يفسح في المجال أمام "حزب الله" للإطباق على الدولة والحياة السياسية في لبنان. وثمة من يرجح في هذا المجال عودة الاغتيالات السياسية لعدم تمكين "14 آذار" من الفوز في الانتخابات النيابية المقبلة.
الاحتمال الثاني: أن تنزلق المواجهة إلى الفوضى والمواجهة طائفية، وهذا ما يهدد انتقال عدواها إلى لبنان على قاعدة "علي وعلى أعدائي".
الاحتمال الثالث: أن يسقط النظام في حد أقصى نهاية العام الحالي، وهذا على الأرجح، لأن كل المؤشرات في الداخل والخارج تفيد بأن الأمور "استوت" و"نضجت" ويكفي تسونامي بشرية واحدة لتعيد خلط الأوراق وقلب الطاولة رأسا على عقب.
وتأسيسا على الاحتمال الثالث، فمن الواضح أن "حزب الله" استكمل انقلابه تحسبا لسقوط النظام السوري ولئلا يجد نفسه في وضع المغلوب على أمره، إذ أن سيطرته على الدولة تجعله في موقع المفاوض بشروطه عوضا أن يكون هو موضع المفاوضة وبشروط غيره. ولكن ما هو نظري شيء وما هو واقعي شيء آخر، بمعنى أن الكلام قبل سقوط النظام مختلف عما بعده، ولعل تجربة العام 2005 أكبر دليل على ذلك، حيث أن حزب الله انكفأ لمجرد خروج الجيش السوري فكيف بالحري مع سقوط هذا النظام؟
أما على مستوى المحكمة، فالأمور تتجه تصاعديا من نشر القرار الاتهامي بعد انتهاء مهلة الشهر الخاصة بتوقيف المتهمين المفترضين مع ما يحتوي هذا القرار من روايات وتفاصيل مثبتة وموثقة، إلى إصدار مذكرات توقيف جديدة بأسماء كبيرة ومعروفة وفق ما سرب عن المحكمة بعد الدفعة الأولى من الأسماء المعلومة الانتماء والمجهولة الإقامة.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستنتظر "14 آذار"، بعد سقوط النظام وتطورات المحكمة، الاستحقاق النيابي في العام 2013 لاستعادة الأكثرية المسلوبة بقوة السلاح أم ستعمد إلى استرجاعها قبل هذا الاستحقاق وكيف؟ هل بالرهان على انقلاب النائب وليد جنبلاط مجددا، واستطرادا هل ظروف 7 أيار قابلة للتكرار؟ أم بالضغط على الرئيس ميقاتي، بعد أن يكون فقد حليفه السوري، بالضغط عليه سنيا وشعبيا وعربيا ودوليا لدفعه إلى الاستقالة؟
لا شك أن لكل سؤال أكثر من جواب، إلا أن الاحتمالات تبقى رهن التطورات المتسارعة على إيقاعي الثورة والمحكمة، وفي الانتظار رؤية + خطة لمواكبة حركة التغيير والتسريع في طي صفحة لبنان القديم لمصلحة دولة مدنية، عصرية وطبيعية.
شارل جبور-دائرة التحليل السياسي – المركز اللبناني للمعلومات- لبنان
