“منظومة الممانعة” يقودها زعماء وافتهم المنيّة

باستثناء الظاهرة التي يشكّلها السيد حسن نصر الله في لبنان لا تعرف "منظومة الممانعة الإقليميّة" أي زعيم آخر له هالة كاريزمية، لا في أصول المنظومة (أي النظامين الإيرانيّ والسوريّ) ولا في فروعها (الفصائل المقاوماتية). وتزداد صحّة الملاحظة بعد فشل مشروع الترسيم الكاريزمي للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.

قد يُقال بطبيعة الحال انّه ليس هناك بين أخصام منظومة الممانعة من له هالة كاريزمية، بل ان العالم أجمع ما عاد يعرف هذا النوع من الزعماء منذ وقت طويل. هذا صحيح أيضاً، مع الإستدراك بأنّ ما لا يحتاجه العالم اليوم بشكل عام، إنّما تحتاجه "منظومة الممانعة الإقليميّة" بشكل شديد الوطأة، وإلا لا تعود الممانعة ممانعة.

فمنظومة الممانعة لا تعتمد على نمط تقليديّ من الشرعية متوارث أباً عن جد ومستند أساساً إلى الأعراف، بل هي منظومة تقدّم نفسها سواء بموجب العقيدة الخمينية في إيران، أو بموجب العقيدة البعثية في سوريا، على أنّها منظومة ثوريّة، بل أنّها طليعة الثورة الأممية في مواجهة الإمبريالية الأميركية والصهيونية العالمية بعد زوال الإتحاد السوفياتي واندثار الشيوعية.

ومنظومة الممانعة لا يمكن أن ترتقي إلى نمط مؤسّسي من الشرعيّة تؤمّنه حداثة الدولة الأمّة المتصالحة مع حدودها الوطنية، ذلك أنّ الأنظمة المكوّنة لهذه المنظومة تجمع بين المسلك الفئويّ في الداخل، وبين المسلك المتجاوز للحدود الوطنية في علاقتها مع الجوار، ودائماً على أساس المناداة بـ"أمّة رسالية" فوق سائر "الأمم التاريخية"، هذا بصرف المضامين التي يجري تحميلها لهذه الأمّة في العقيدتين الخمينية والبعثية.
بالتالي، تحتاج منظومة الممانعة، ووفقاً للتقسيم الذي أعمله المفكر السوسيولوجيّ الألمانيّ ماكس فيبير، إلى "شرعية الهالة" أو "الشرعية الكاريزمية"، أي إقرار المجتمع بمزايا فائقة للعادة يجسّدها الزعيم الملهم، وإلى درجة الإتحاد الصوفيّ الحيويّ بين المجتمع والقائد.

وهذه مؤمّنة فرعياَ، ضمن "مجتمع حزب الله" اللبنانيّ وحول السيّد حسن نصر الله، لكنها غير مؤمّنة لا في ايران ولا في سوريا ولا في "حماس" والفصائل الأخرى.
وفي إيران، بلغت الهالة الكاريزمية المهدوية للإمام الخميني أبعد مدى ممكن في عصرنا الحديث، إلا أنّ هذه الهالة امتنعت عن أي كان بعد رحيل الإمام القائد، مع أنّ نظرية "ولاية الفقيه" المطلقة الشروط كانت بحاجة إلى هذا الشرط الكاريزمي أكثر من حاجتها لأي شرط آخر، ولولا استمرار تأثير السحر الكاريزمي للإمام القائد حتى بعد عقدين وأكثر على وفاته، لكان تجاوز نظرية "ولاية الفقيه" المطلقة أسهل وأفضل.

أمّا في سوريا، فما كانت للرئيس الراحل حافظ الأسد كاريزما قابلة للمقارنة بما كان للخميني، وإن كانت له هالة كاريزمية من نوع آخر، أي هالة من أنقذ المجتمع من فوضى الإنقلابات بإنقلاب أخير ونهائي، وهالة من اتّصف بالدهاء إلى الدرجة التي تجعله قادراً على اللعب على تناقضات نظامه هو، وليس فقط تناقضات أخصامه. أمّا الهالة الكاريزمية المكتملة، والتي من معاييرها في العالم العربي أن تكون للزعيم الجمهوريّ شعبية خارج بلده، فقد انعقدت آخر مرة لصدّام حسين التكريتي، وقبله لجمال عبد الناصر.

لأجل ذلك، ونظراً الى حاجتها الضرورية إلى الشرعية الكاريزمية، ونظراً الى شحاحة هذه الشرعية، في ما عدا حالة السيد حسن نصر الله في لبنان، وقعت "منظومة الممانعة الإقليمية" حكماً فريسة لـ"حكم الغائب"، أي حكم من عاجلته المنية قبل عقد أو عقدين.

وإنّا نزعم بأنّ كثيراً من الأمور التي تفاقمت في سوريا، إلى حد إطلاق ثورة شعبية واسعة النطاق لا تجد تفسيرها خارج هذا التناقض الذي يمسك الممانعة من عنقها: حاجتها الضرورية إلى الشرعية الكاريزمية وافتقارها اليها الا في نموذج السيد حسن نصر الله. مع ذلك ينبغي الإعتراف بأنّ هذا "النموذج اللبناني" ما زال يقيم أود هذه المنظومة، لكن "الأود" شيء و"البقاء" شيء مختلف تماماً.

وما يجعل "إصلاح النظام" مستحيلاً في الحالة السورية هو أيضاً عدم قابلية الهالة الكاريزمية لأن تورّث مع توريث مقام الرئاسة، هذا مع التذكير بأنّها كانت هالة جزئية وإن تكن "مديدة".
وللتفصيل في هذا المجال لا بدّ من الإستعانة بالمثال التاريخي الإيطاليّ للفاشية. إذ ينبّهنا أحد كبار المختصين المعاصرين بتاريخ الفاشية، اميليو جنتيلي، بأنّ الكاريزما التي كانت لموسوليني في إيطاليا الثلاثينات كانت تتجاوز بأشواط عند الجماهير الواسعة من الناس العاديين ما كان للفاشية وحزبها من هالة، وإلى درجة أن الناس كانوا يستفيدون من هالة "الدوتشيه" لتوجيه الإنتقاد للنظام وبعض أركانه.

شيء من هذا القبيل كان موجوداً عند الرئيس الراحل حافظ الأسد، وهو ما كان ضرورياً لإستمرار نظامه على الرغم من الفاتورة القمعية الهائلة. لكن ليس هناك شيء عند من أتى بعده، وهذا يعني أن قدرة الخلف على إعادة "لملمة" الأوضاع مستحيلة، إلا أن للتفاؤل في هذا المجال حدوده، فإذا كانت الشرعية الكاريزمية هي شرعية "حكم الغائب" التي تنزف (بكل المعاني)، فإنّ الشرعيتين التقليدية والمؤسّسية غير متوفّرتين في القريب العاجل، والموضوع قد يُحسَب بالأشهر في ما عنى رأس النظام الحالي، أمّا في ما عنى سوريا ككل فقد يُحسَب بالسنوات، وأخطر ما في الموضوع أن يغامر "ما تبقّى من النظام" إلى ما يشبه "الحرب الأهلية الإسبانية معكوسة" إي إلى الإنكفاء إلى "كاتالونيا ممانعاتية فئوية" في أحد أطراف البلاد (على طريقة انكفاء الجمهوريين الإسبان إلى مقاطعة كاتالونيا بعد انتصارات فرانكو) واستثمار ما جرى تعلّمه في التجربتين اللبنانية والعراقية لمواجهة "المناطق الأخرى".

لكن السؤال يبرز هنا: ما هو رأي تركيا في هذا المجال؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل