يروي الوزير السابق إدمون رزق أنه كان في احدى المرات مسافرا الى كوبا مع النائبين فريد جبران وهاشم الحسيني، وكان النائب جبران اشتراكياً من "الحزب التقدمي"، والنائب الحسيني محسوبا على اليسار. سافروا جميعا على متن طائرة تابعة لـ"الميدل إيست" الى إسبانيا في الدرجة الأولى المريحة والمرفهة، وكان عليهم أن يستقلوا الطيران الكوبي من اسبانيا، اذ لم يكن هناك طريق الى كوبا الا عبر اسبانيا بسبب الحصار المفروض عليها.
كانت الطائرة الكوبية قديمة جدا، وتتسرب المياه من بعض شقوق السقف الداخلي فيها، والمقاعد كلها درجة واحدة بسبب المساواة بين الجميع، ويقدم فيها بعض من طعام رديء. في الطائرة التفت رزق الى جبران والحسيني وقال لهما:"أهلاً بكما في فردوس الاشتراكية". فردا معا :" بطّلنا".
الطائرة الكوبية تلك أشبه بالطائرة السياسية التي يركبها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في مثل هذه الأيام وقبلها. فكما أراد فيديل كاسترو إقناع العالم بأن العدالة الإجتماعية هي الأصح ولو كانت بجعل الشعب متساوياً بالفقر، فقد عمل الرئيس بري طويلا لإقناع اللبنانيين بأنه مع إلغاء الطائفية السياسية، وحين نزل الشباب الى الشارع ليتظاهروا من أجل إلغاء الطائفية السياسية، نزل محازبو بري الى التظاهرات ومنعوا المتظاهرين من رفع صور الزعماء السياسيين المتهمين بتكريس الطائفية السياسية ومنهم بري بالطبع، ثم حين اراد هؤلاء المتظاهرون في مرة أخرى النزول الى مجلس النواب لتقديم مذكرة لرئيس مجلس النواب تطالب بإلغاء الطائفية السياسية انقض عليهم محازبوه ومنعوهم من الوصول الى المجلس، ثم شارك هؤلاء المحازبون في اجتماعات اللجان التي تدعو الى التظاهر فأمعنوا فيها تفكيكا حتى انحلت التظاهرات واختفى المتظاهرون وانكفأوا بعدما كانوا في قمة الحماسة في انطلاقتهم. بدوا وكأنهم يقولون "بطّلنا"، كما فعل النائبان جبران والحسيني، وكأن ذلك قبل أشهر.
الفكرة الجديدة التي يتفضل بها بري، هي الدعوة للركون الى "الحوار". هكذا، حوار وحسب، أما حوار على ماذا ومن أجل ماذا، فهذا أمر لا بد متروك لطاولة الحوار، التي شاهدنا فصولا كثيرة منها، تلك الفصول التي تنبئنا أن طاولة الحوار مصنوعة من أجل تحديد المواضيع التي يجب عدم التحاور فيها، وعلى رأسها "الإستراتيجية الدفاعية" وهي العبارة المخففة لعبارة "سلاح حزب الله" وقانون الإنتخابات، اما المواضيع التي يجب التحاور فيها فيجب تأجيلها الى ما بعد وعلى رأسها "الإستراتيجية الدفاعية" وقانون الإنتخابات. مع أن طاولة الحوار كانت بديلا من جلسات مجلس النواب التي كانت قد أقفلت أبوابه بأمر من رئيسه، الذي أفتى بأن هذا الإقفال هو لمصلحة لبنان واللبنانيين.
الآن يمكن للرئيس نبيه بري ان يدعو الى الحوار لأنه بات في الموالاة، وهو يدعو حلفاءه ممن لا يزالون يعتقدون انهم في المعارضة الى الهدوء. وهو يعرف أنه لا حوار يمكن أن يقوم في هذه المرحلة اذا لم تتم مناقشة قضية "إلتزامات" لبنان تجاه المحكمة الدولية، وسطوة السلاح التي تشكّل الحكومات بدلا من الرأي العام ونتائج صناديق الاقتراع. وبالطبع فإن حلفاءه، وهو نفسه، لن يأتوا الى التحاور في مسلّمات يرفضونها من الأساس. وعلى الطاولة لو انعقدت وفتحت تلك المواضيع سيقولون:"بطّلنا و.. بلّطوا البحر".
إذا الدعوة الى الحوار كـ"ذرّ الرماد في العيون"، على طريقة:" هل ترون؟ نريد أن نحاورهم ويرفضون".