لماذا يتخلّون عن السلاح؟ وبه تمدّدوا وتوسّعوا وافترشوا الساحات والشوارع والسطوح والقمم والشرفات… وبه قطعوا الألسن والأرزاق والطرقات والمرافق والأنفاس والهواء… وبه أقاموا كيانات وسنّوا قوانين وأعرافا ومخارج ودساتير.
لماذا يتخلّون عن السلاح؟ وبه تربّعوا على أراضي الغير، وصادروا أراضي الغير، وأغلقوا معابد ومسارح ومرابع وحوانيت، وفرضوا محاذير ومحرّمات، وتنكّروا لتقاليد الآخرين وعادات الآخرين، وكأنّ الدنيا ما بدأت إلّا بهم ولا تنتهي إلّا معهم، أو كأنّها ما قامت قبلهم ولا تبقى بعدهم، أو كأنّ الله نصّبهم ملائكة الأرض ونصّب سواهم شياطينها؟
لماذا يتخلّون عن السلاح؟ وبه ألغوا أكثريّة الآخرين، وسرقوا مكاسب الآخرين وأحرقوا أصوات الآخرين، وبه أرهبوا بعضهم فطوّعوهم وأرعبوا بعضهم فدجّنوهم، وبه دخلوا حكومة، وبه أسقطوها ثم أقاموها، وسيّبوا مرافىء ومطارات، واخترقوا حدودا وضوابط وحواجز، وتجاهلوا حرّاسا ونواطير، فلا ردّتهم دولةٌ ولا صدّتهم أصولٌ ولا أخجلتهم بياناتٌ أو ملامات.
لماذا يتخلّون عن السلاح ما دام لا يخرق الخطوط الحمر جنوبا، ولا يثير غبارا على أعتاب إسرائيل؟ ولماذا يتخلّون عنه، وبه يُخال بعضهم أنْ لولاه ما كان لبنان ولولاه لن يبقى لبنان، وأنْ لولاه لا يخرج غازٌ ولايفيض نفط ٌ،ولا يأتي سائحٌ ولا يعود مهاجرٌ ولا يخاف عدوٌّ ولا يطمئنّ صديق، وأنْ لولاه لا يرتفع صليبٌ ولا تُقرع أجراسٌ ولا يستتبّ تعايشٌ ولا يُصان وفاقٌ ولا تستوي آمالٌ ولا تكبر أحلامٌ، ولا يصبح لبنان جميلا ولا تدوس جباله بطون البحر.
ونسأل بعد، كيف يتخلّون عنه، وليس بيننا مَنْ يرفع عصاه أو من يرفع منسوب العتب صراخا أو منسوب الغضب حراكا، وليس بيننا لا دولة ٌولا شرعيّةٌ ولا زعامةٌ ولا شارعٌ ولا هيبة ٌولا رهبةٌ ولا حُرمةٌ ولا… سلاح؟
ونسأل بعد كيف يتخلّون عنه، وبيننا مَنْ يكون مسيحيّا ساعةَ يشاء، ولبنانيّا ساعةَ يشاء، وعربيّا ساعةَ يشاء، وشرقيّا ساعةَ يشاء، وبيننا مَنْ يكون مارونيّا يتحدّى الموارنة وعلمانيّا يسترضي الآخرين، أو يكون راعيا على الموارنة ورعيّةً لدى الآخرين، وبيننا مَنْ ينتزع المكاسب من لحم أخيه ويرمي لحمَه بين أظافر الآخرين؟.
وبعد، كيف يتخلّون عن السلاح…
فهم ليسوا مثلنا لا أغبياء ولا… مجانين؟