#adsense

شهوة السلطة و”تبييض” سلطة السلاح

حجم الخط

في مقالة منشورة في صحيفة لبنانية بتاريخ 6 أيار 2009 أي قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، كتبت تحت عنوان "الطبعة الجديدة للنواب الوديعة" الأسطر التالية:

"… هذا الجمهور، مثلما فرح لرمزية التخلص من النواب الوديعة، فهو خائف ومتوجس اليوم حينما يرى عودة ظاهرة بعض "النواب الوديعة" … نعم، إنّ بعض المراحل اقتضت التساهل تكتيكيّا مع أشخاص معينين ممّن عملوا لمصلحة السوري في لبنان أو لمصلحتهم الشخصية مع السوري. ولكن أن يأتي بعض هؤلاء اليوم، ففي ذلك إشارة خطيرة إلى مستقبل القضية".

إنّ وضوح الخطاب السياسي لسعد الحريري، كما سمعناه أخيرا (نيسان 2009)، يجب أن ترافقه أفعال وقرارات واضحة وانتقاء رفقة درب صادقة تكمل الدرب إلى جانبه من أجل "لبنان أوّلا" وليس من أجل أنانيتها وغرورها أوّلا. وقد يأتي يوم يبحث عنهم فيجدهم في مقلب أو موقع آخر لقاء مقعد وزاري أو ربّما رئاسة الحكومة.

آمل أن يكذّبني المستقبل، "فأخسر" وتربح مسيرة الدفاع عن لبنان وأهله الطيّبين".

وفي الكلام الأخير للرئيس سعد الحريري من باريس على شاشة الـ mtv يَذْكُر الرجل أكثر من مرّة أنّ أخصامه استفادوا من أماكن الضعف (في جسم 14 آذار). ونقاط الضعف هذه هي التي كُنْتُ تخوّفت منها ومن انتهازيتها عند كتابتي مقالتي سنة 2009. وبالفعل كلّ نائب سنّي انقلب اليوم حصل على وزارة. كما يمكن الجزم أنّه لولا انقلاب هؤلاء الأربعة لما تأمّنت أكثرية ولا تأمّنت "ورقة تين سنّية" ولو هزيلة جدّا يتستّر وراءها حزب الله. ولكن إن سلّمنا جدَلاً بأنّ لهؤلاء "الفرسان الأربعة" حق تغيير الموقف تبعاً "لقناعاتهم الوطنية" أو المناطقية أو لمصالحهم الانتخابية أو… ولو سلّمنا جدَلا أنّ "الميقاتية" وربّما قريبا "الصفديّة" وغيرها، كلّها تيارات سياسية ممتدّة ومتجذّرة على كامل الجغرافيا اللبنانية وأنّ هدفها إنقاذ الوطن وتخليصه من إسرائيلية المحكمة ومن ارتهان وتبعيّة الحريرية للغرب وأميركا ومن خطر الاعتدال العربي ألخ…

نعم إن سلّمنا بذلك كلّه، فليس بوسعنا عدم التوقف عند التالي:

– إنّ التغيير في سوريا، بشكل أو بآخر، أصبح وشيكا، ولهذا التغيير تداعيات شتّى ومنها ما قد يفقد حزب الله حليفا وسنَداً وشريكا مهمّا.

– إنّ الحرب مع إسرائيل إن لم تحصل في القريب العاجل ستؤكّد أكثر وأكثر عدم جدوى سلاح حزب الله بحالته الحاضرة خارج الدولة وشرعيّتها.

– إنّ المحكمة متّجهة بقوة نحو اتّهام أفراد قياديين في حزب الله وربّما ذهبت أبعد من ذلك لتطال أسماء سوريّة وربّما إيرانيّة…

وعليه، فإنّ حزب الله مضطرّ مع هذه التغيّرات أن يضاعف تحوّطه وينوّع خططه. ومن بين هذه الخطط وأهمّها العمل على "امتلاكه" الدولة ومؤسّساتها ومواقعها السياسية والعسكرية والعملانية والخدماتية… عِلما أنّه أصلا مزروع فيها بقوة منذ زمن.

وهذه الخطة إن نجحت تكُن أدّت إلى "تبييض" ”Blanchiment” أو “Laundering”سلاح حزب الله غير الشرعي، وهكذا ينتقل حزب الله إلى التكلم باسم الشرعية والدولة اللبنانية عوضاً عن تمسّكه اليوم فقط "بشرعيّة مقاومته" المختلف عليها لبنانيّاً وخاصة دوليّاً.

ولكي يحصل ذلك ويتم الإطباق على الدولة والسلطة بهدوء، ينتهج الحزب سياسة الابتعاد عن المساجلة السياسية، تاركاً ذلك لحلفائه في 8 آذار.

وكيف لا نتوقف عند ما صرّح به الحاج محمد رعد رئيس الكتلة النيابية لحزب الله بأنّ على الحزب استيعاب حلفائه ووزرائهم في الحكومة إلى أبعد حدود حتى تعمّر الحكومة إلى سنة 2013؟! هنا بيت القصيد، وبتعبير أوضح كأنّ الحاج محمد رعد يقول:

"يا جماعة، ما عرفنا كيف انتقلنا من أقلّية نيابية ومن ثلث معطل لأن نكون أكثريّة مع حكومة كلّها لنا، لذلك مطلوب عدم إعطاء الفرصة لرئيسها أو لحلفائنا فيها لفرطها أو تعكير هدفنا…"

"إنّها حكومة ستمكّننا من التحضير لانتخابات نيابية على هوانا ووفق مصالحنا، وبالتالي نربحها ونوصِلَ إلى رئاسة الجمهورية رئيسا صافيا لنا ألخ… ولكن من الآن وحتى حينه ستمكّننا هذه الحكومة من تطهير الإدارة من أيّ خصم سياسي أو من ترويض وإخضاع من ليس معنا، وبالتالي من "امتلاك" الدولة والشرعية، وكذلك مِن زرع رجالنا وأدواتنا… فلا عسكر ولا قضاة ولا مدراء ولا خدمات اجتماعية إلّا عبرنا أو للقريبين منّا…"

نعم، إنّ ذلك يسمّى "تبييض" والتبييض يتناول كلّ ما هو غير شرعي، فلا يعود يقال كيف تتعايش الدولة والمقاومة… أو الدولة والفوضى أو الدولة والمربّعات أو الدولة والانتهاكات… باختصار، تصبح المقاومة والفوضى والانتهاكات هي "الدولة الشرعيّة".

عندها يصبح حزب الله الآمر الناهي "الشرعي" ولا يعود من وزن "للفرسان الأربعة" أو ما شابههم. وسيصبح بالإمكان استبدال "الميقاتية" (قوامها نائبان اليوم على أبعد تعديل) أو "الصفدية" (قوامها نائب وحيد) بأيّ عنوان آخر تقتضيه مصلحة "الديكتاتور العادل الجديد" أو "الولي الجديد" وامتداداته السياسية والدينية الممانعة!

إنّ في ذلك، إن تحقّق، خطراً كبيراً على مستقبل لبنان، لبنان الحرّية، لبنان الرسالة، لبنان النداء الرسولي، لبنان الاعتدال… لذلك فإنّ الاستنفار كبير عند قوى 14 آذار، ويجب أن يكون أكبر وأقوى في وجه هذه الحكومة وكلّ أدواتها. فلا يقال لنا إنّ سعد الحريري لم يتقبّل خروجه من السلطة أو من السراي، بل نقول نحن لهم إنّ سعد الحريري لم يتقبّل ولا يريد أن يقبل "تسليم" لبنان الذي نحبه للسيطرة الفئوية الشبيهة بالأنظمة العربية القمعيّة المتهاوية. نعم، هنا تكمن فداحة خيانة "الفرسان الأربعة" التي تحدّث عنها الرئيس سعد الحريري، فهي خيانة فادحة بنتائجها على مستقبل لبنان وليس عليه شخصيّا.

إنّها جريمة طعن الوطن، أكثر منها افتراء على المحكمة وعلى الشهيد رفيق الحريري وكل شهداء حرّية لبنان وكرامته.

في سنة 2005 تمّ تأمين الغطاء المسيحي، وفي سنة 2009 تمّ تأمين الغطاء الدرزي، وفي سنة 2011 يجري التلطي وراء سنّية النوّاب الوديعة من أجل إكمال شرعنة "الانقلاب الدستوري".

وما الإفراج عن الموقوفين (دون محاكمة منذ سنوات) برعاية الرئيس ميقاتي اليوم إلّا من أجل مَدّه بشيء من الدعم على الأرض. لقاء ذلك يكون المطلوب من المفرج عنهم الوفاء ومبايعة من أطلقهم كما كان يحصل زمن الوصاية.

ذنبك كبير يا دولة الرئيس ميقاتي، وكذلك ذنب الوزير اللاهث للحلول مكانك. لكُما أردّد قول الخليفة عمر بن الخطاب:"رُبّ نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزناً طويلا".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل