عندما قرّر الرئيس الأسد والسيّد نصر الله تفشيل الحل العربي للأزمة في لبنان في شهر آب عام 2010، ما كانا يحسبان أن الشعب السوري سيتحرّك ضد سلطته التي دخلت عقدها الخامس· كما انه سقط من حسابهما أن المحكمة باقية وأن قرارها الاتهامي سوف يصدر· ثم إن إيران ما كانت قد اعتزمت على تصدير مشكلاتها الداخلية من جديد من طريق الرد على تأزّم مناطق نفوذها في العالم العربي في كل مكان· لقد انحصر الهمّ وقتها في إقصاء الحريري (والسنّة) عن الحكومة والسلطة والدور، وهو مطلب قديم للجنرال عون يجعله مسيطراً على الدور المسيحي تحت مظلة <حزب الله>، في حين أن سلاح الحزب كفيل بإخماد الثوران السني إن حدث· ولذا لا يحتاج الأمر إلا لشدّ قميص وليد جنبلاط، وعُنق ميقاتي، والانصراف لقطف مغانم الخدمات والتعيينات من جانب أعضاء وجهات حكومة الحزب، في حين ينصرف الحزب وإيران والنظام السوري الى الاستمتاع بارتهان لبنان، واستدراج العروض بشأنه من الدوليين والعرب، في الصيف الحار، وفي الخريف المعتدل!·
وحدثت في الشهور الأخيرة عدّة مسائل ومشكلات، جعلت من حساب الحقل غير حساب البيدر:
– غرق النظام السوري في بحر ثورة الشعب السوري، وتطلع طالباً الاستغاثة فتردد الجميع، وأقدم الإيرانيون وحزب الله· وحتى ميقاتي وجنبلاط صارا ينصحان صديقهما الرئيس الأسد بالسير في الإصلاح·
– وما قبل السنّة ولا 14 آذار بانقلاب الحزب وميقاتي وعون وأحزابهم، واعتبروا حكومة ميقاتي حكومة للحزب، وأعلنوا عن إرادتهم إسقاطها، لاستنقاذ الدولة والعيش المشترك·
– وشنّت إيران حملة على العرب في كل مكان، وهذه المرة ليس تحت سقف فلسطين والعداء لأميركا، بل جهاراً نهاراً، وعرب عجم، وإسلام وكُفر··· إلخ، واعتبرت دولة ولاية الفقيه السيّد نصر الله والحزب سيفها المشهور في هذه الحملة في كل مكان·
– وتداعى الدوليون لحماية القرارات الدولية من سطوة الحزب وسيطرته، ومنها الـ1559 والـ1701 والـ1757· وأظهر الرئيس ميقاتي حرصه الشديد على تلك القرارات، بيد أن أحداً ما أخذ ذلك على محمل الجد، لا بالجملة ولا بالتفصيل·
ويحاول الرئيس ميقاتي إقناع الذين جاؤوا به وكذلك جنبلاط، أن الظروف تغيّرت· لكن الحزب مُصرّ على تنفيذ <دفتر الشروط الأصلي>، بدون حذف ولا تعديل ولا تجميل، ولو كان يريد مساعدة رئيس حكومته لما هاج السيّد وأعوانه على المحكمة ذاك الهياج بعد صدور القرار الاتهامي، ولا صارحوا العالم كلّه بأن رهانهم على النظام السوري لا تغيير فيه ولا تبديل، ولا عادوا للحديث عن شهود الزور وملفاتهم غير الموجودة!·
لقد اكتشف رئيس الجمهورية واكتشف ميقاتي وجنبلاط فجأة أهمية الحوار، وهو الأمر الذي لم يكتشفوه عندما عطّل الحوار كل من الجنرال عون والحزب· إنما في الوقت الذي حصلوا فيه على هذا الاكتشاف المذهل، كان الجنرال عون قد ذهب إلى الجنوب وأعلن عن هزيمة الولايات المتحدة من هناك· كما كان الأمين العام للحزب قد أعلن عن إرغام إسرائيل على تغيير استراتيجيتها العسكرية (ربما عن طريق الاستيلاء على بيروت عام 2008)، وينصبّ الجهد الآن على تغيير استراتيجية أميركا العسكرية (ربما عن طريق أخذ دمشق هذه المرة!) فلماذا هذا الاهتمام بالحوار مع هؤلاء المساكين في 14 آذار وسط هذا التفكير الاستراتيجي العظيم؟! ويا أيها الرفيقان ميقاتي وجنبلاط لن ننساكما!·