ما من حيرة أكبر من تلك التي ينظر بها المرء إلى مؤيدي العماد ميشال عون فهم يصدقون الشيء وعكسه طالما أن العماد نطق به أو تبناه ولا ينفع معهم لا منطق ولا حجة، فشعارهم بات على جباههم "عنزة ولو طارت".
لم يترك العماد عون مناسبة إلا وتحدث فيها مع نوابه وقياديي تياره عن حقوق المسحيين المغتصبة في إدارات الدولة، معلناً أنه سيستعيدها فيقف كما وقف الجنرالات الفرنسيون في القدس بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وقالوا "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، مع فارق أن الجنرال عون يخطط ليقف في المديرية العامة لقوى الأمن، أو في فرع المعلومات أو في بلدية بيروت وأطفائيتها أو في الأمانة العامة لمجلس الوزراء أو في وزارة التربية ليعلن "هاقد عدنا يا رفيق أو يا سعد وطهرنا الإدارة من مغتصبي حقوق المسيحيين والداعمين للسلفيين". والعبارة الأخيرة قد يضطر العماد عون إلى شطبها بعدما تبين له أن سلفيي "فتح الإسلام" الذين كانوا يقبضون من بنك "البحر المتوسط" بحسب معلوماته يخرجون من السجون بوساطة من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ويعودون إلى منازلهم بسيارته.
أتت التعيينات، وبدأ امتحان العماد عون في مادة تحقيق الوعود بمنصب المدير العام للأمن العام، وعملاً بالقول الشائع عند الإمتحان يُكرم المرء أو يُهان إنتظر الجميع نتيجة العماد فإذا بها تأتي مخيبة للآمال وإهانة ليس للعماد فقط، بل للذين صدقوه وتوقعوا منه الدعم في مجلس الوزراء وفي مقدم هؤلاء رئيس الجمهورية والبطريرك الماروني.
عدم عودة منصب المدير العام للأمن العام للموارنة ليست آخر الدني بالنسبة للعماد عون، إلا أن عدم تعيين مسيحي في إطفائية بيروت أو بلديتها هو الكارثة بالنسبة للعماد ونوابه، ولا تحل كوارث غبن المسيحيين والفساد التي يتحدث عنها رئيس تكتل التغيير والإصلاح سوى في المواقع والمؤسسات التي يرأسها أبناء الطائفة السُنية الكريمة. ففي بلدية بيروت وإطفائيتها مشكلة، وفي قوى الأمن ومديرها العام اللواء أشرف ريفي مشكلة، وفي فرع المعلومات ورئيسه العقيد وسام الحسن مشكلة، وفي الأمانة العامة لمجلس الوزراء وسهيل بوجي مشكلة، وفي وزارة الإتصالات مع عبد المنعم يوسف مشكلة، وفي وزارة المال مشكلة وفي وزارة التربية مشكلة.
في المقابل، لا يرى العماد عون مشاكل في المواقع والمؤسسات التي يرأسها أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. ففي الأمن العام لا مشكلة، وفي التمثيل المسيحي في شرطة مجلس النواب والإدارة فيه لا مشكلة، وفي مجلس الجنوب لا مشكلة، وفي الضمان الإجتماعي لا مشكلة وفي الجامعة اللبنانية لا مشكلة وفي وزارة الصحة، لا مشكلة وفي وزارة الزراعة لا مشكلة، وهو إن اعترف يوماً بوجود مشكلة فالحق على الطليان.
لقد كان العماد عون يريد الدولة لا الدويلة، ولكنه مع "حزب الله" أصبحت الدولة بالنسبة إليه هي المشكلة. كان مع بندقية الجيش اللبناني ولكنه عند سقوط الضابط سامر حنا بنيران "حزب الله" حمله العماد عون المسؤولية وقال للشهيد: "شو رايح تعمل هونيك". لقد كان العماد عون يكرر تمسكه بالحريات على أنواعها ولم يكف عن تشبيه طرابلس بقندهار بسبب التطرف ولكنه يوم منع "حزب الله" الكحول في النبطية سكت شهريار عن التطرف وقمع الحريات، لقد بُح صوت العماد عون وهو يتكلم عن المسيحيين في الشرق حتى أنه ذهب إلى براد ليتذكر مار ماون ولكنه استكثر موقفاَ من الإعتداء على أملاك البطريركية المارونية في لاسا فالمشكلة بالنسبة له هي في البطريركية التي تجرأت وامتلكت منذ مئات السنين أراضاً هناك. لقد كان العماد عون عماد الحملة على سوريا ونظامها من بعبدا إلى الكونغرس، ولكنه تحول اليوم إلى "شبيح" لدى النظام يلقن الشعب السوري دروساً من بعيد.
العماد عون بالفعل فزاعة بصوت ينقلها صاحب الحقل حيثما يشاء لتخويف من يعتقد أنهم يخافون. ولكن كما تعلمون إن الفزاعة بالفعل مصنوعة من خرق بالية ويربط فيها صاحب الحقل كمية من التنك لتصدر أصواتاً عندما تهزها الريح وعندما ينتهي الحصاد أو القطاف ترمى في المكبات أو تحرق.