لبنان: صُداع سياسي يؤشر إلى ما هو أكثر من… «تصدّع»
كتبت صحيفة "الراي" الكويتية: تتشارك الحكومة والمعارضة في بيروت في لوحة من مكامن القوة والضعف ما يجعلهما و"حتى إشعار آخر" على طرفي معادلة من "التوازن السلبي" الذي يحمي الاستقرار السياسي والأمني "الهش" من الانهيار، ويحول دون تحول "الصداع السياسي" القاسي الى تصدع من النوع الذي يفتح البلاد على مفاجآت غير متوقعة.
الحكومة «المحلية» الممسوكة من «حزب الله» ويترأسها «صديق» المجتمع الدولي نجيب ميقاتي، تعمل في اتجاهين متوازيين وكأنهما وجهان لا أوجه شبه بينهما، وهما:
* اعتماد خطاب ناعم يعبّر عنه الرئيس ميقاتي بـ «تواطؤ ايجابي» مع «حزب الله» ويتناول اكثر الملفات حساسية في نظر الخارج، كالمحكمة الدولية التي من غير المستبعد رفع «فيتو» الحزب عن تمويلها لـ «ترييح» الحكومة ورئيسها في اطار سياسة «نزع الذرائع» من المعارضة والمجتمع الدولي.
* التعمية بالخطاب الناعم على السياسة الخشنة التي تتجه الحكومة لإعتمادها لتكريس «الانقلاب» السياسي ـ الدستوري الذي جاء بها، من خلال الامساك بالمفاصل الرئيسية في الدولة عبر تعيينات ومناقلات في المواقع الادارية والامنية والقضائية الحساسة، الامر الذي يضمن قيام دولة «اللون الواحد».
هذا السلوك، المهادن من فوق والمتشدد من تحت، يشكل، في رأي اوساط متابعة، ترجمة لما كان يقوله «حزب الله» وهو في الطريق الى اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، عن قدرته على وضع اليد على الداخل لضمان الامساك بالتوازنات السياسية في الداخل وحماية خياراته الاستراتيجية على المستوى الاقليمي.
ومن يدقق في الحركة السياسية لـ «حزب الله» يكتشف سعيه للايحاء بـ «اطمئنان» الى الواقع الجديد في البلاد، فهو حقق ما اراد عبر ضمان ايقاف المحكمة الدولية على الحدود لوجوده في موقع القرار الذي يلزم الجهازين الامني والقضائي بـ «الانضباط» وفق إرادته وعدم الخروج على «النص».
وبهذا المعنى فإن «حزب الله» لم تتملكه الخشية مع صدور مذكرات توقيف عن المحكمة الدولية بحق اربعة منه، من اي «تحرشات» قد يتعرض لها من الاجهزة الامنية، ولا من اي موقف رسمي يمكن ان تشتم منه رائحة «رفع غطاء» او ما شابه.
غير ان اوساطاً واسعة الاطلاع ترى في وجود «لغتين» داخل الحكومة واحدة يعبّر عنها رئيسها وثانية يتحدث بها «حزب الله»، محاولة «تحايل» على المصاعب داخل «البيت الواحد»، وعملية «شراء وقت» في انتظار ما سيصدر من لاهاي (المحكمة الدولية) وما يجري في دمشق (الاحتجاجات المتعاظمة).
فخلف «الاطمئنان» الظاهري الذي يبديه «حزب الله»، في رأي هذه الاوساط، تضج تداعيات ثلاث ازمات من النوع «الكوابيسي»، فمن القرار الاتهامي الذي من المتوقع كشف «أدلته وقرائنه» في الشهر المقبل، الى عدم نجاة النظام الحليف للحزب في سورية مهما كانت السيناريوات، مروراً بـ «الاختراق المدوي» لمواقع «مرموقة» فيه.
ثلاثة مآزق خطرة يعانيها «حزب الله»، الذي وعد أمينه العام السيد حسن نصرالله بأنه سيخرج منها «اقوى وأعزّ»، وهو الوعد الذي ربما يحتاج الى ما يشبه «المعجزات» نظراً لما تشكله الملفات الثلاثة من تحديات داخلية وخارجية، ليس اقلها وصمة اتهام الحزب الشيعي الاقوى باغتيال الزعيم السني الابرز، واحتمال خروج نظام الرئيس بشار الاسد من محنته الحالية مهمشاً في احسن الاحوال.
وأحوال المعارضة لا تبدو اكثر بريقاً من احوال الحكومة و«مكوناتها». فما من شيء يوحي بأن تحالف «14 آذار» الذي سارع الى رفع لواء إسقاط الحكومة، يضع هذا الشعار موضع «الخيار الفعلي»، ربما لأنه غير راغب لانعدام البديل في ظل موازين القوى الحالية، او لأنه غير قادر على مواجهة سلطة يحميها «حزب الله».
فقطبا المعارضة الأبرز هما في الخارج، الرئيس الحريري الذي ابتعد منذ اشهر ليس في وارد العودة في وقت قريب نظراً لأخطار امنية فعلية قد يتعرض لها، ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع خارج البلاد في اجازة، مما يوحي بأن المعارضة التي تتعاطى الآن على طريقة «سجل موقف» لم تحسم امرها في بدء المعركة لإسقاط الحكومة.
ومن يستمع لمناقشات في أروقة المعارضة يكتشف وجود اكثر من سقف في مقاربة الموقف من الحكومة، البعض يميز بين رئيسها ومكوناتها، والبعض يريد التعاطي معها على «القطعة»، في الوقت الذي يرى البعض الآخر ان لا مناص من إعلانها حرب شعواء على السلطة الجديدة لإسقاطها.
وثمة من يعتقد في هذا السياق ان «تردد» المعارضة لا يعكس مأزقاً بقدر ما هو على صلة بانتظار تطورات من شأنها رفع مستوى المواجهة على نحو تلقائي، كـ «نشر» مضمون القرار الاتهامي في دفعته الاولى، وتعاظم مأزق الحاضنة الاقليمية للحكومة، في اشارة الى الواقع المأزوم لنظام الاسد.
في هذه الأثناء، اكتمل «بازل» المواقف من الحوار الذي كان رئيس الجمهورية أطلق عملية «جس نبض» حيال معاودته، وسط ترحيب قوى 8 آذار به مع إسقاط زعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون شرطه الربط بين الحوار وملف شهود الزور، وتحديد «14 آذار» «دفتر شروطها» لاستئناف الحوار ومن أبرز بنوده الجدول الزمني والغطاء العربي.
وفي حين كان رئيس الحكومة يكرّر خلال لقاء معبّر مع 37 من الوجوه البيروتية (رجال أعمال ومحامين ومهندسين ورؤساء جمعيات) التزامه شخصياً والتزام الحكومة بالتعاون مع المحكمة الدولية لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة، رسمت «14 آذار» امس السقف النهائي لتعاطيها مع اي دعوة للعودة الى طاولة الحوار. واذ اكدت «انفتاحها على الحوار الوطني»، رأت «أن الحوار بات بلا جدوى بعد ثلاث سنوات من تضييع الوقت، وبعدَ أنّ قرّر المحور الإقليميّ ـ المحليّ المستحكم انقلابياً بالسلطة عن اللبنانيين ما لا يحق لدولتهم أن تحوز عليه»، مشترطة لاستئناف الحوار «بأن ينحصر بإخضاع سلاح «حزب الله» لسلطة الدولة وضمن مهلة زمنية محدّدة، وبمشاركة الجامعة العربية، وبموافقة «حزب الله» المسبقة على هذا المضمون للحوار».
وجاء موقف «14 آذار» غداة تحديد كتلة «المستقبل» البرلمانية بعد اجتماعها (اول من امس) برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة ستة قواعد واسس لاي حوار جديد اختصرتها بـ: حصر بند الحوار بموضوع سلاح «حزب الله» وفق جدول الأعمال الأساسي لهيئة الحوار الوطني المنعقدة في 2 /3 /2003، وضع برنامج زمني لتنفيذ القرارات التي اتفق عليها في جلسات الحوار السابقة، عدم ادراج أي بند آخر على جدول الأعمال، أن يأتي الاستعداد للحوار بشكل واضح من «حزب الله» حول موضوع السلاح، تحديد تاريخ محدد لإنجاز الاتفاق حول هذه القضية، مشاركة الجامعة العربية (وفقاَ للتفاهمات السابقة)».
وبعيْد بيان «المستقبل»، اطلّ الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله معلناً تأييده لدعوة رئيس الجمهورية الى الحوار الوطني، «لأننا مع مبدأ الحوار والتلاقي بين اللبنانيين، وليس لدينا أي تحفظ عليه ونرحب به وندعمه، بمعزل عن الموضوعات المطلوب مناقشتها»، معربا عن اعتقاده أن طريق الحوار هي الطريق المنطقية والطبيعية لمعالجة المشكلات الكبرى والصغرى على المستوى الوطني».
اما العماد عون الذي كان ربط عودته الى طاولة الحوار بفتح ملف شهود الزور، فلم يشأ ان يتخذ موقفا مسبقا، مفسحا في المجال امام الاطراف الاخرى لتحديد موقفهم، لكنه بدل موقفه بالنسبة لمسألة الربط بين الملفين، باعتبار ان هناك سلطة جديدة، ومبديا اعتقاده «بأن هذه السلطة مستعدة لاتخاذ قرار في ما يتعلق بملف شهود الزور».
وتعليقا على موقف كتلة «المستقبل» من الحوار، قال رئيس مجلس النواب نبيه برّي «إنّ بيان الكتلة بما احتواه من شروط يوحي كأنّ هذا الحوار قد انتهى قبل ان يبدأ»، مضيفاً: «إنّ من يريد أن يشارك في الحوار ينبغي عليه الا يضع شروطا مسبقة للمشاركة فيه، خصوصا وأنّ هذا الحوار سيتمّ بين أبناء الوطن الواحد، ولا يفرض نتائج مسبقة».
واستغرب برّي «الحديث عن المطالبة بمشاركة جامعة الدول العربية في الحوار، وقال: إنّ الجامعة تحتاج الى حوار في ما بينها، وكذلك الأمم المتحدة».