Site icon Lebanese Forces Official Website

دفن جمهورية حافظ الأسد

عاشت سوريا، وربما جزء من لبنان خلال مرحلة الاحتلال، طويلا في ظلال جمهورية الرئيس الراحل حافظ الاسد التي اطلق عليها اول الشهداء كمال جنبلاط اسم "السجن العربي الكبير"، وحتى وفاته ظل اسم حافظ الاسد مصدر رعب لملايين السوريين، بسبب نجاحه في اقامة احد اقوى الانظمة المخابراتية في المشرق العربي، حيث صار الاخ يتجسس على اخيه، والابن يوشي بأهله، والزوجة تسلم سر زوجها. فاكتظت السجون بآلاف المعتقلين لكل الاسباب، بينها التعبير عن الراي السياسي، وصراع مصالح كبير او صغير، وطني او محلي. وبينها ثالثا ما يسمى بلغة السوريين "التشبيح"، حيث كانت تلفق تهمة بسبب خلاف على خوّة، او لمجرد الشك في الولاء لآخر فرع من فروع حزب البعث او الامن في آخر قرية من قرى سوريا !

لم يكتف الاسد الاب بملء السجون بالناس، بل ملأ القبور بجثث المعارضين. البعض يقدر ان عدد القتلى لاسباب سياسية في سوريا منذ استيلاء حافظ الاسد على الحكم يتجاوز المئة الف سوري. ولا نتحدث هنا عن السوريين الذين قتلوا في حروب الاسد في لبنان، ولا عن الضحايا الفلسطينيين او اللبنانيين. وقد نجح حافظ الاسد في اقامة اكبر سجن في المشرق، اذا ما استثنينا السجن العراقي الكبير. ومن المعلوم ان سوريا في عهد الرئيس حافظ الاسد عانت في الاقتصاد والخدمات والتعليم، حتى انه بوفاته سنة 2000 كانت سوريا من اكثر الدول العربية تخلفا من الناحية العلمية والتعليمية. وجيشها كان كبيرا من الناحية العددية ومتخلفا من الناحية القتالية والتقنية وفي التجهيزات. ومما اورث الاسد الاب لابنه، سبعة عشر جهازا امنيا داخليا، جعلت من سوريا مملكة صمت ومكانا لا يدخله ضوء ولا هواء.

عندما اطلق الرئيس بشار الاسد حملته الدموية على الثورة السورية فوجئ ان الشعب ردَّ، في ما ردَّ، بإحراق صور والده الضخمة التي نشرت بالآلاف على مساحة البلاد، وحيثما تمكنوا قام الثائرون بتحطيم النصب التذكارية المرفوعة "تخليداً" لحافظ الاسد، كما حطموا تماثيله وانتزعوها من أمكنتها. وصار من مهمات الامن والجيش ان يحميا تماثيل حافظ الاسد في كل مكان. وقد عمد بعض المحافظين الى فكفكة بعضها وسحبها الى خارج المدن والقرى، الى معكسرات الجيش، لتجنيبها مصير سابقاتها. ومن خلال قراءة معظم الشعارات المرفوعة في وجه النظام، نرى انها تتحدى جمهورية حافظ الاسد، ولا ترى في بشار اكثر من وكيل انتهت فترة صلاحيته. اكثر من ذلك، فإن كل الاقتراحات الاصلاحية المقدمة من المعارضين تعكس رغبة جامحة في دفن جمهورية حافظ الاسد شرطاً اول لبناء سوريا المستقبل. ولعل استعادة الاسد الابن اسلوب والده في ممارسة القمع الدموي ضد شعبه، تذكرنا ايضا ان الثورة اليوم قائمة ضد "جمهورية حافظ الاسد" بالذات، وهي التي ينبغي تجاوزها كمرحلة سوداء في تاريخ سوريا. ولا يكون ذلك بغير دفنها نهائيا.

Exit mobile version