منطق «الخصوصيّة» المناطقية الذي فاجأنا به بالأمس وزير الداخلية مروان شربل، حسم على الأقل كل شبهة قد توهم اللبنانيين بأننا أمام مشروع بناء الدولة اللبنانية، فإذا كان وزير الداخليّة يكرّس مفهوم «الكنتنة» أو «المربعات المحرّمة» أو «الأمنية»، بل مفهوم «الدويلة»، عبر تعليقه على حادثة الاعتداء على فريق الـ»ام. تي. ڤي» بالقول: «لكل منطقة خصوصيتها ويجب مراعاة هذه الخصوصية»، يكشف منطق الدولة العاجز أمام الدويلة!!
كأن افتعال هذه الحوادث تقنية يستخدمها حزب الله لـ»تربية» أي وزير داخلية جديد، فيهزّون له العصا، حتى يُبدي «السمع والطاعة» لمنطق «الكنتنة» المفروض بقوة السلاح، ولا يختلف كثيراً هذا المنطق عن المنطق الذي ساد لبنان منذ السبعينات، ثم كرّس بعد اتفاق الطائف بجهود تعطيله السوريّة ما اصطلح على تسميته «مربع حارة حريك الأمني»، وللذاكرة مع استلام الوزير زياد بارود وهو رجل مجتمع مدني مهامه على رأس وزارة الداخليّة تسارعت سلسلة حوادث كان بينها اختطاف المواطن جوزيف صادر وليس ببعيد من حاجز الجيش عند طريق المطار، وظل الوزير بارود يكرّر لازمة يرفع فيها عن نفسه الحرج بأنّ «الأمن سياسي»، وهذه مهمة السياسيين!!
عملياً سقط وزير الداخلية الجديد مروان شربل في أول فخّ نصب له فكرس واقعاً خطيراً جداً يشبه واقع «الكنتنة» الفلسطينية في «الفاكهاني» و»صبرا» ومناطق كثيرة من بيروت «اقتطعت» لها خصوصيّة بإكراه السلاح، منذ ارتضى فريق من اللبنانيين ـ المسلمون تحديداً ـ بمناصرة أبو عمار ومسلحيه الذين استباحوا الشطر الغربي من بيروت تحت عنوان «فدائيي الثورة الفلسطينية»!!
الفرق بين الوزير مروان شربل والوزير زياد بارود أن الأول رجل أمن، وهنا كانت سقطة «الخصوصيّة»، فالكلام الصادر عن الوزير شربل كلام مخالف للدستور اللبناني روحاً ونصاً ومخالف لوثيقة الوفاق الوطني ومخالف حتى لاتفاق الدوحة الذي ذهب أدراج الرياح، ومخالف أيضاً لأبسط حقوق المواطن اللبناني على أرض وطنه، والأخطر من كلّ هذه المخالفات صدوره عن عقليّة رجل أمن منوط به حماية اللبنانيين داخل أرض وطنهم، فإذا به يُخصخص الأمن بمناطقيّة والأدهى أنها «ذات صبغة طائفيّة»!!
خالف وزير الداخليّة مروان شربل الدستور اللبناني عندما كرّس ما أسماه «مراعاة الخصوصية لعدم حصول أي اشكال وتحاشي حصول أي حادثة أمنية»، يعني «بدك تقولوا عم ينبهنا نرفع أصبعنا تناخد إذن قبل ما نروح عمنطقة إلها خصوصيّة» والخطير أنّه «يضحك» على عقول اللبنانيين فبدلاً من أن يقول منطقة محظورة يقول لها خصوصيّة، كل لبنان «سداح مداح» لحزب الله، إنما مربعاته ومكعباته ومثلثاته ومستطيلاته ودوائره ومخروطاته ـ وأي شكل هندسي قد يتم اختراعه لاحقاً ـ محظورة على اللبنانيين على اعتبار أنّ أكثر من نصفهم متآمرين على المقاومة وخونة وعملاء وجواسيس!!
يعرف اللبنانيون أن العسكريون نادراً ما نجد بينهم من يحسن التكلم لأنهم رجال أوامر وتنفيذ، إلا قلّة ابتليت بحب الشعر والأدب فهذه تتم إحالتها على ما يختصّ بالإعلام لإتقانها الإنشاء والتدبيج والتنميق ـ ولا نستطيع أن نقول أنها «زلة لسان» فمعاليه جاء خلاصة مطاحنة على المنصب بين رئيس الجمهورية والنائب ميشال عون، أمّا أن يحاول إيهامنا أن «وما حدث لا يمكن وضعه في اطار تكريس الدويلة على حساب الدولة»، فهذه «كتير واسعة»، لذا لا بدّ أن نلفته إلى مخالفته الكبيرة لمقدّمة الدستور في بابه الأول وأحكامه الأساسيّة، والفقرة «ط» التي تنص على ما يلي:
«أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللبنانيين، فلكل لبناني الحقّ في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظلّ سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، وتجزئة ولا تقسيم ولا توطين»، واجتهاداً واستنتاجاً نقول: ولا «خصوصيّة» أيضاً، وإلا يحقّ لنا وكلّ في منطقته أن يفرض خصوصيته الدينية والأخلاقية والاجتماعية والطائفيّة أيضاً، علينا أن نشكر الـ»ام. تي. ڤي» وأن نشكر حادثة «لاسا» لأنها جعلت وزارة الداخلية تكشف «حلاسا»!!