Site icon Lebanese Forces Official Website

سعد الحريري الذي عَكّر الماء..!

 قال للذئب، وكيف أكون قد عكّرت الماء عليك في العام الماضي، ولم أكن قد ولدت بعد، فأجاب الذئب، لا بد إذاً أنه أحد أسلافك.

هكذا أُخرج سعد الحريري من الحكم بطريقة تعمّدت التحدّي والاستقواء، فامتدت اليد المتسلـّطة إلى حلفه وغيّرت المعادلات وأسمت صديق والده بديلاً، وشكّلت حكومتها وبالغت في البذخ على الطائفة السنّية، فِعْلَ المنتصر الذي يكبِّل المهزوم بعفوه وسخائه.

ولقد ظللت أراقب الحركة السياسية المحلية منذ التكليف وحتى الثقة فوجدت السهام تنهال على رئيس الوزراء السابق رغم غيابه المقصود، لأن مقعده الفارغ في المجلس كان ممتلئاً بكلمات في الصميم تميّزت بالرصانة والوضوح أفقدت بعضهم هدوءاً متصنعاً ضاع معه بعض الصواب فآلت اللغة إلى مفردات مستقاة من <عالم الحيوان>، بل وجدنا من يخفض زميلاً له إلى رتبة العميل، ويرفع متهماً إلى مصاف الرسول.

وخلال ذلك المهرجان وبعده امتلأت القنوات والصفحات والموجات بحملات تعظِّم بطش الظافر، وتنقضُّ على خصمه لتقلِّلَ من شأنه وتُظهر <عيوبه>، وتكتشف المزايا المكنونة لدى رجال الوزارة الجديدة، <وشعبيتهم> الهائلة والنائمة في <أدراج عاجية> أيقظوها <ساعة الحزّة> كما يقول المثل الشعبي، لتدحر الحريرية السياسية، التي أصابتها الشيخوخة المُبكرة، على حدّ تحليل أحد الصحافيين، فلم تعد تنفع معها مستحضرات التجميل، علماً أن سعد الحريري ليس بحاجة بعد لخِضَاب شعر أو نفخ وجنات كما يفعل سواه، بل ذهب بعضهم إلى توسل الرياضيات العليا والعمليات الحسابية المعقّدة ليصل إلى ما مؤداه أن الحريرية يمكن الاستغناء عن وجودها في الحكم، لأن المعارضة السنّية السابقة زائد وزراء من شخصيات بيروتية وطرابلسية <مشهود لها بالنجاح الشخصي> قد عدّلت الكفّة وجعلت سعداً يدور حول نفسه باحثاً عن أنصاره المنفضّين من حوله.

ولقد لفتني أيضاً في جريدة الحياة، زاوية <أضعف الإيمان>، بين حين وآخر جفاء الكاتب تجاه الرئيس الحريري حيث ينسب إليه مواقف لم يأخذها، وصفات ليس منها، كالقول إنه خيَّر خصومه بين الحكومة وبين البلد، وإنه وصل بهذا مع هؤلاء الخصوم إلى تطرّف غير مسبوق في اللعبة السياسية.

وفوجئت به في مقال آخر يُثني على شركة طيران الشرق الأوسط في مطار الرياض لأنها تستخدم موظفين سعوديين، وهذا ما لا تفعله <شركة أوجيه>، ولم يفته في نهاية المقال الغمز من شطارة اللبناني المعروفة الذي يعدُّ كل ذي جلباب وكوفيه صيداً ثميناً. ولكن ثالثة الأثافي كانت في إبخاس الرئيس الحريري حقّه إذ اعتبره في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، قد تعلّم الكلام ولم يتعلّم السياسة، وأن الرئيس ميقاتي أكثر خبرة منه وحكمة.

ولكن المقال لم يتوقف عند هذا الحدّ بل اعتبر سعد الحريري امتداداً لنهج والده بعلاقته مع عائلات بيروت وطرابلس وصيدا الذي همّش زعامات سنّية وصدّها عن علاقات مع السعودية والخليج وأضعف مؤسساتها… وغيَّب بيوتاً عريقة مثل سلام وكرامي وميقاتي والصفدي وصار يمنُّ عليهم بمقعد في مجلس النواب، فضلاً عن أنه اختصر الأمّة بأسرها، فجاء سعد الإبن وجعل الأمّة أشبه بطائفة، والأسوأ أنه لا يُدرك خطورة ذلك.

لا شك أن الكاتب الأستاذ داود الشريان صحافي عريق، وكان بدوره محط إعجاب دولة الرئيس ميقاتي الذي لفتني أكثر من مرّة إلى مقالاته لأنها بالإضافة إلى التحليل تحتوي دلالات سياسية لها علاقة بجنسيته والصحيفة التي يكتب فيها• لكن ما أثار استغرابي أن هذه المقالات هي أقرب إلى مضبطة اتهام شاملة منها إلى التحليل، وأنها تتوجّه في الوقت نفسه إلى عنوانين معاً، الأول هو بيت الوسط، والثاني مقبرة الشهيد رفيق الحريري قرب مسجد محمد الأمين، بل لعلّ العنوان الثاني هو المقصود بالدرجة الأولى، وهذا يقتضي من المُرسل أن يوجّه شكواه إلى من بيده الأرواح، لا سيّما أرواح الشهداء، أما الأحياء فشهادة الحق، حقّ عليهم، إذ كيف يستوي لدى حضرة الكاتب من سار في مشروع مسامحة ومصالحة مع من رفض المشروع، ومن ربح الانتخابات فشكّل حكومة وحدة وطنية، مع من شكّل حكومة عزل وطني، وكيف يجعل العدالة مقابل البلد، كأنه يمكن أن يقدّم لنا تصوّراً عن استمرار بلد، بلا عدالة؟!

ثم يظل السؤال الأخير، وهو كيف يستطيع شخص عصامي من صيدا، ليس من أرومة الزعامات السنّية التقليدية أن يدمّر علاقات عريقة لتلك العائلات مع السعودية ودول الخليج، وأن يهمِّش كل ما عداه، ويأتي إبنه من بعده ليسير على نهجه من غير أن يعلم مساوئ نهج أبيه؟

وكيف قام رفيق الحريري بعملية التهميش فيما ربطته بصائب بك رحمه الله والشهيد رشيد كرامي والمرحومين معروف سعد ونزيه البزري علاقة الود والاحترام، كما ربطته كذلك بالرئيس ميقاتي، علماً أن الوزير الصفدي وإن اختلف معه في حال حياته، عاد واكتسب هوية سياسية جديدة في الرابع عشر من آذار من العام 2005 فأعلن شوقه إلى الشهيد في خطابه المشهو.

لكن هذا لا يمنعني من أن أثمِّن صراحة الكاتب الذي ذهب الى الهدف مباشرة، فسمّى رفيق الحريري بلا مواربة وحمّله مسؤولية الحلم والعمل على دولة لبنانية ديمقراطية تتمثَّلُ الطوائف ولا تمثّلُها، وهذا يجعلني أرى أن اللوم على سعد لا يعود إلى قلّة خبرته، بل إلى أنه تجرّأ فأبطل المفعول السياسي لـ 1800 كلغ من T.N.T، واستمد من الشريان المغدور دماء يضخّها بلا حساب، لمصلحة الدولة والوطن، فكان جزاؤه الظلم والتعسّف والتخوين، حتى كادوا يدمغونه بأختام <نجمة داود>.

جاء في الخطبة <البتراء> لزياد بن أبيه:
أُنْجُ سعد.. فقد هلك سُعَيْد هل هلك سُعَيْد؟!

Exit mobile version