#adsense

“الشهود الزور” إلى المجلس العدلي:لزوم ما لا يلزم!

حجم الخط

ما هي نتائج إحالة ملف الشهود الزور إلى المجلس العدلي، علما أنّ هذا المجلس كان حكم على رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، وقد عرفت يومها هذه المحاكمات بـمحاكمات "إقصاء الزعماء السياسيين المسيحيين"، والتي شهدت صورة من صور إقصاء الزعماء السياسيين في ظل الوصاية السورية على لبنان، إذ يخشى من هذا المجلس أن يحكم في ملف الشهود الزور بتأثير من قوى الأمر الواقع التي تحوّل المسار السياسي كيفما تريد منذ الـ2005 حتى اليوم؟

عن هذا السؤال أجاب الخبير بالقانون الدولي المحامي الدكتور أنطوان سعد بالآتي:

إذا ما أحال وزير العدل شكيب قرطباوي ملف الشهود الزور إلى مجلس الوزراء لدراسته واتخاذ القرار في شأنه، حيث يبقى لرئيس الجمهورية إذا وجد من تأثيرات سلبية لهذا الملف على الحياة السياسية في لبنان، أن يطلب من مجلس الوزراء إعادة النظر في هذا القرار. فإذا أصرّ مجلس الوزراء أن يحال هذا الملف إلى المجلس العدلي الذي عليه أن ينظر في هذا الموضوع طبقا لإطار الإحالة، ومجرّد هذه الإحالة، فإنّ طابع هذا الملف سيكون سياسيا لأنه أحيل من جهة سياسية، وهذه إحدى الثغرات في عمل المجلس العدلي، لأن الإحالة سياسية إليه، ولأن قراراته لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة. وقد حصل أن ارتكب هذا المجلس خطأ بإصدار حكما بالإعدام على المتهم بقتل الدبلوماسي الأردني في بيروت يوسف شعبان، ليتبيّن لاحقا انه تم القبض على القاتل الفعلي في الأردن، ولم تكن هناك اية امكانية للعودة عن القرار الذي صدر عن المجلس العدلي عن طريق الخطأ. وهذه سابقة مؤسفة سجن إنسان بريء مدة خمسة عشر عاما تقريبا من دون أي مبرّر قضائي أو قانوني.

وبالعودة الى موضوع الشهود الزور، فإنّ القضاء العادي الذي استمع الى معظم هؤلاء الشهود، لم يجد في حينه ايّ مبرر لملاحقة هؤلاء الشهود استنادا إلى القوانين اللبنانية، وبالتالي لم يتوافر الدليل بوجوب الملاحقة يومذاك. وإذا صح أنّ هناك فعلا من شهود زور، فلا يمكننا ان نتأكد من ذلك قبل معرفة ما اذا كان القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أخذ بإفادات هؤلاء الشهود، وإذا ما كان القرار الاتهامي قد بني على هذه الشهادات، أم أنه استند إلى أدلّة أخرى دامغة وقاطعة لا ترتقي الى مرتبة الشك، بل الى مرتبة اليقين فيكون، تابع الدكتور سعد، النظر في ملف الشهود الزور من قبل المجلس العدلي من دون جدوى قانونية وقضائية، اي انه يكون من قبيل لزوم ما لا يلزم. ولو سلّمنا جدلا أن هذه الشهادات او بعضها قد استند اليها في القرار الاتهامي، فإنه من المبكر اعتبارها سببا للادانة، إذ يجب انتظار صدور القرار النهائي بما تضمّن من وقائع وحيثيات les motifs وصولا الى ما انتهت اليه الفقرة الحكمية le dispositif لمعرفة ما اذا كانت بناءات الحكم قد استندت الى افادات الشهود الزور ام انها لم تستند اليها. فاذا هي استندت اليها يمكن البناء على الشيء مقتضاه القانوني والادّعاء على الشهود الزور، والا فلا يكون هناك من مبرّر لملاحقتهم.

هذا من الجانب القانوني، اما من الجانب السياسي، فإننا شاهدنا منذ العام 2006، وبصورة جليّة وواضحة، اختلاف وسائل عرقلة قيام المحكمة الخاصة بلبنان من حيث اعتكاف الوزراء الشيعة واقفال المجلس النيابي، والامتناع أخيرا عن تسديد المستحقات المالية المتوجبة على الدولة اللبنانية لمصلحة المحكمة، والتي كانت الدولة اللبنانية قد تعهدت تسديدها بنسبة 49 % من النفقات السنوية لهذه المحكمة، والخشية أن يكون ملف الشهود الزور واردا ضمن سياق عرقلة عمل المحكمة، او التشويش عليها، ومحاولة تأليب جزء من الرأي العام ضدها، الا ان اداء المحاكم الدولية لم يكن يصب في هذا الاتجاه، إذ جاءت كل النتائج التي ترتبت عن قيام هذه المحاكم من محكمة "نيورن بورغ" مرورا بمحكمة طوكيو ورواندا ويوغوسلافيا، وصولا الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وكذلك لجان التحقيق الدولية او المحكمة الجنائية الدائمة، فقد جاءت جميع النتائج لاحكامها لتبرز المهنية العالية لهذه المحاكم التي تكون محط مراقبة القانونيين والسياسيين في العالم. ويشار هنا الى التطورات المهمة التي ادخلت إلى نظام المحكمة الخاصة بلبنان، التي من شأنها ان تحافظ على حق الدفاع وتصونه من خلال المعايير الجنائية المتطورة، منها انشاء منصب قاضي الاجراءات التمهيدية، وهو الذي وافق على اخلاء الضباط الاربعة، ووافق على تسليم عدد من المستندات إلى اللواء جميل السيد، اضافة الى انشاء مكتب للدفاع يعمل بغضّ النظر عن حضور المتهمين او عدم حضورهم، هذا اضافة الى الحصانات والضمانات التي تمنح للمتهمين اذا لم يشاؤوا الحضور الى المحكمة، وفضلوا الاستماع اليهم بمختلف الوسائل وفي اي مكان، لأن المعيار الأهم لهذه المحاكم الوصول الى الحقيقة وليس التوقيف بحد ذاته، وهذا ناجم عن اعتماد النظام القضائي المزدوج الانغلو ساكسوني – واللاتيني، وقد اعتمد هذا النظام بعد تجربة محكمة يوغوسلافيا، حيث كانت تصدر مذكرات توقيف بحق المتهمين مسبقا من دون الاستماع اليهم، ذلك لمجرد اتهامهم، الأمر الذي دفع عددا منهم الى الهروب او الامتناع عن المثول امام هذه المحكمة، فتكون كل الضمانات المشار اليها اعلاه هي لمصلحة المتهم الذي ان كان يملك دليلا على براءته، فليس عليه الا ان يتقدم من هذه المحكمة او بطلب الاستماع اليه من مكان اقامته وليس كما يحصل حاليا من خلال الادّعاء بالبراءة وبتسييس الاتهام عن طريق المؤتمرات الصحافية التي تلحق الضرر بالاستقرار السياسي والاقتصادي في لبنان.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل