وحدهم الذين أعطوا "الكلمة السر" لولادة الحكومة ليسوا مخدوعين بها. هم يدركون تماما حدود اللاعبين فيها، والاهداف التي يستطيعون تحقيقها. وهم يعرفون جيدا اي دور اختاروه لها، وأي عمر يمكن ان تعيشه، كما كانوا يدركون ما يفعلون عندما أسقطوا حكومة سعد الحريري. والاهداف لم تتغير، وإن كانت السُبل الى بلوغها تتعرّض لتعديلات طارئة وفقا للظروف.
وهؤلاء وحدهم لا يسألون انفسهم في استغراب عن سِرّ "التمايز" داخل الحكومة، بين المواقف "المَرنة" من القرارات الدولية والمحكمة وقرارها الاتهامي، ومواقف "حزب الله" التي تعلن الحرب على المحكمة وتعترض على القرارات الدولية.
في كواليس "حزب الله" والحلفاء المباشرين لدمشق، كلامٌ يُزيل أي التباس: ما دام متعذرا تأليف حكومة عبد الرحيم مراد أو حتى عمر كرامي، ولم يكن في الإمكان إلّا القبول بالرئيس نجيب ميقاتي، فلماذا لا يتم التعاطي إيجابا مع صورته الوسطية في الداخل والخارج ؟. لتؤدي لنا حكومته ما لا تستطيعه حكومة مراد او كرامي، فكلاهما "محروقان" معا سياسيا، فيما ميقاتي هو رجل الاعمال السني، صاحب العلاقات العربية والدولية، والخارج للتَوّ من تحالف انتخابي في مدينته مع الحريري.
التمايز تحت السقف
لذلك، هناك قرار واضح على أعلى المستويات في دمشق و"حزب الله"، وفق المصادر القريبة، بعدم "التعرّض" لميقاتي تحت اي ظرف او عنوان خلال عمله في الحكومة، وعدم توجيه اي انتقاد الى مواقفه او نهجه، ولو اختلف او تمايزَ في المواقف. فذلك يجب ان يكون جزءا من عملية "تجميل" صورة الحكومة امام الرأي العام الداخلي والخارجي، وتسويقها لتكون مقبولة، وعدم الطعن فيها، خصوصا على المستوى السنّي – السعودي، والمستوى الدولي، اي الاميركي – الفرنسي. فلا بأس بتمايز يتمّ استيعاب حدوده عمليّا تحت جناح الغالبية الحكومية – النيابية، المضبوطة حتى إشعار آخر بتهديد وليد جنبلاط بيضة القبّان.
نقاط التمايز المسموح التي تعبّر عنها الحكومة، جَرت ترجمتها في البيان الوزاري، والسوريون الذين يمتلكون خبرة واسعة مع الحكومات وبياناتها الوزارية في لبنان، يدركون ان ما من حكومة استطاعت التزام هذا البيان، فهو في غالبيته يبقى حبرا على ورق. ولا بأس فيه بالكلام الذي يشبه لوحة "الموناليزا"، اي يمكن لكلّ شخص ان يقرأه وفقا لرؤيته الخاصة.
السُنّة والثوابت
في ذروة أزمة التأليف، لجأ الرئيس ميقاتي الى دار الفتوى ليُعلن التزامه "الثوابت الإسلامية"، ومعلوم ما تتضمنه هذه الثوابت. وقد لقي الرئيس المكلف، منذ ذلك الحين وحتى اليوم، احتضانا من الدار، وتحفّظا من جانب المفتي محمد رشيد قباني عن إطلاق اي موقف ينتقد ميقاتي.
وثمة من يقرأ في هذا الموقف أيضا رغبة سعودية في إعطاء الفرصة لرئيس الحكومة لتنفيس الاحتقان الداخلي اللبناني، من دون التنازل عن "الثوابت".
فالسوريون وحلفاؤهم يجدون ان من المناسب استمالة القواعد الشعبية السنية، من خلال مواقف وسطية يعبّر عنها رئيس حكومة له تجربة الرئيس التوافقي في العام 2005. فمن شأن ذلك ان يقلّص من الغضب السنّي الناجم عن إسقاط الحريري في رئاسة الحكومة. وتاليا، يتمّ "استيعاب" شرائح من هذه القاعدة، عن طريق تشجيع مبادرات جديدة على الساحة السنّية في الظرف الصعب والحسّاس على مستوى الصراع المذهبي في المنطقة.
ومن هنا، "تهيّب" المَسّ بمواقع سنّية حسّاسة، كالمديرية العامة لقوى الامن الداخلي.
ومن المناسب أيضاً، ان يُظهر ميقاتي حرصه على المحكمة الدولية والعدالة والتعاطي السليم مع قرارات المجتمع الدولي، ما يوفّر حربا من جانب القوى الدولية على سوريا في الظرف الدقيق الذي تعيشه دوليا، فيما يتكفل "حزب الله" بإطلاق المواقف المناسبة، تحت غطاء الحكومة على المحكمة والقرار الاتهامي من دون قيود. وفي النهاية، يتمّ حسم الخيار وفقا لما تسمح به المعطيات والتوازنات.
سباق على الأهداف
لكن، وفي ظل ما يملك الفريق الراعي للحكومة من أوراق، يسارع الى قطف ما أمكن من ثمار. فهو سيقاتل المحكمة، ويدافع عن السلاح، ويتمسّك بالمواقع الحساسة في الاجهزة والإدارات. وسيُسارع الى "تركيب" قانون الانتخاب الملائم لاحتفاظه بالغالبية في مجلس 2013، وهو المجلس الذي سيختار رئيس الجمهورية العتيد.
فالوقت قد يكون داهماً للحكومة الحالية، لأنها تسابق تطورات الملف السوري، وملف المحكمة وقرارها الاتهامي. ويحاول الرئيس ميقاتي ان يثبت قدرته على إنجاح الخط الوسطي في تجاوز المطبّات وتجنّب الفتن، فيما الشركاء الذين يمتلكون الغالبية في الحكومة والمجلس لهم مراهنات أخرى "غير وسطية" على الإطلاق، وستكون هناك تجربة تعايُش صعبة بين الطرفين، تحسمها نتائج التطورات التي تزداد سخونة في لبنان وسوريا، فإمّا أن تؤدي الى انفجار الحكومة وإمّا.. الى انفراجها.