ما نشرته بالأمس صحيفة الـ»واشنطن بوست» يستوقف أي متابع لأحداث العنف في معظم المدن السورية ـ ولم يتبقَّ منها سوى الانفجار الكبير في حلب لتصبح شاملة وعامّة ـ التي دخلت مرحلة «لا تُطاق» كما وصفها من موسكو «وليد جنبلاط» ونائب وزير خارجية روسيا، مع التأكيد أنّها ثورة، فالكلام الذي نقلته الصحيفة الأميركيّة: «إن سفينة الأسد تغرق، والشيء المهم هو إقناع الناس ليدركوا ذلك حتى نضمن قفزهم من السفينة والالتحاق بسفينة الحياة».
الأنباء «المتواترة» عن القتل الذي استحرّ في أهل حمص قبيل حلول اليوم الجمعة موعد «جمعة أحفاد خالد»، وفي سباق مع موعد حلول شهر رمضان المعظّم، وليس لأن القتل في شهر شعبان حلال وفي شهر رمضان حرام، بل لأنّ رمضان شهر المساجد العامرة بالصلاة والمصلين كلّ يوم وليلة خصوصاً صلاة التراويح، ومنع الناس من الدخول إلى المساجد أو محاصرتهم فيها، سيدفع بالمواجهة إلى أعتى درجاتها، خصوصاً مع المفردات «الكفريّة» البعثية في لبنان فيتجرّأ «حقير» على الذات الإلهية فيقول:»الله ما قارينو» ـ ونعوذ بالله ومن شرورهم وكفرهم وآخرتهم وعاقبتهم ـ خصوصاً وأن المفردات في سورية وصلت حدّ الدفع الى إحلال اسم الرئيس محل اسم «الله» في شهادة التوحيد!!
ونشرت الـ»واشنطن بوست» نقلاً عن مصدر في البيت الأبيض عن باراك أوباما قوله: «إن الأسد اتخذ كل الخطوات الخاطئة في مواجهة الاحتجاجات»، يُلطّفون القتل والعنف والتوحش فيطلق عليه من هم «واقفين عَشوار» كالنائب وليد جنبلاط «الحلّ الأمني»، العنف يستدرج العنف، وكلّما ازداد العنف والقتل ازداد اقتناع كلّ الذين هتفوا بالإصلاح أو بالحريّة أو بإسقاط النظام أنهم «مقتولون» لا مفرّ من هذه الحقيقة، ازدادت التظاهرات حدّة وقررّ السوريون الغاضبون الموت في ساحات التظاهر لا في غياهب معتقلات التعذيب!!
عملياً تواصل وتصاعد حركات الاحتجاج والتظاهر يؤكّد أن النظام فقد سيطرته على البلاد لاتساع رقعة التظاهر وانكسار جدار الخوف الوهمي داخل الشعب السوري، وأكثر من يفهم هذا الإحساس بانكسار جدار الخوف من آلة النظام الأمنيّة القاتلة هو الشعب اللبناني الذي انكسر في داخله جدار الخوف الكبير في 14 شباط 2005 وانهار كلياً في 14 آذار التاريخي، فالآلة الأمنية القاتلة تشتتت سطوتها وخارت قواها المبعثرة في طول البلاد وعرضها.
مرّت أيام العنف ووصل يوم الجمعة ولم تنكسر إرادة الشعب في حمص ففي حماة يقولون إنه لا يستطيع أي من القوات الأمنية الاقتراب، من دون أن تدق أجهزة الإنذار في الشوارع وتعلو صيحات «الله أكبر»، ويستمر التظاهر: «لقد تبدد الخوف»، الخطأ «المميت» ارتكبه النظام وانتهينا، العنف ليس حلاً في الأساس، وهو عادة قد يكون الحل الأخير وليس الأول، فاستهلك كلّ أوراقه وأحرقها عندما استمر التظاهر وتضاعف وتوسّعت رقعته، لا نميل كثيراً إلى ما يظنّه كثيرون أن تاريخ حماة كان حائلاً دون اقتحامها وتدميرها ثانية، غير دقيق هذا الكلام مع أن أهل حماة يقولون: «يوجد في كل بيت شهداء»، فما حدث عام 1982 وبوحشية فاقت ما فعلته إسرائيل في لبنان عام 1982، اليوم يروون أن الذين قتلوا عام 1982 «أبناؤهم وأحفادهم هم من ينظمون الاحتجاجات حاليا».
حمص لن تكون حماة، فلا يستطيع أيّ نظام إعادة التاريخ إلى الوراء، لو كان في مقدورهم إرسال طائرة واحدة لحسم الأحداث لكانوا فعلوا، فتحليق هذه الطائرات يحتاج للمفارقة لإذنٍ من إسرائيل!! جلّ ما نتمنّاه اليوم أن تحقن دماء الشعب السوري، وأن يجد النظام طريق الصواب، فيسكت صوت الرصاص ويعلو صوت الحوار، وينقطع سيل الدم، وإن كان الطريق كاد يقطع نهائياً والباب يغلق إلى الأبد بين النظام والشعب السوري، فالوقت تأخر كثيراً وحبات الرّمل المتبقية تكاد تنفد، والقتل ليس حلاً!