حكمت الأمبراطورية العثمانية الشرق العربي وبعض أوروبا وجزءا من أفريقيا طيلة أربعمئة سنة، وذلك منذ أنتصارها في معركة مرج دابق في العام 1516 وحتى نهاية الحرب الكونية الأولى ومعاهدة سايكس- بيكو، والتي تمّ بموجبها تقسيم العالم العربي من دون الألتفات الى القوة الأستعمارية التي تفكّكت وأصابها العطب على مستوى قوّتها الجيو-سياسية. ومنذ ذلك التاريخ، أطلق الغرب على الأمبراطورية لقب الرجل المريض، وأدرج هذا اللقب في القاموس السياسي المعاصر للتعبير عن الوهن والضعف وبداية النهاية.
اذا أسقطنا هذا المشهد على الحالة السورية الحاضرة، هل يكون بالأمكان أجراء مقارنة موضوعية تنطلق من مسلّمات وأوليّات متشابهة، لتخلص الى نهائيّات متماثلة؟ بعد موسم الأنتداب الذي شهدته المنطقة، ولا سيّما في لبنان وسوريا، والذي تخضّبت أجواؤه بالدم الثوري بدكّ دمشق في العام 1925 وبالحراك الأنتفاضوي اللبناني الذي أدّى الى الأستقلال، أجرى تاريخ المنطقة نقلة نوعية صوب التحرّر والسيادة. وكان نصيب سوريا بعد ذلك خطا بيانيا مضطربا على أثر تعاقب الأنقلابات، وحتى العام 1970 حين تسلّم الرئيس حافظ الأسد الحكم بعد أن حسم الجيش المنافسة على السلطة، ولمصالحه، مع قادة حزب "البعث" السياسيّين آنذاك، والذين تمّ سجنهم بالجملة. لقد أمسك الرئيس الأسد بمقاليد الأمور في الداخل، فأجرى انقلابا شرعيا على مستوى السلطة والحزب بحيث أضحى يملك القرار وحده، وأصبحت قاعدة الحكم هي الولاء المطلق للقائد. وتمثّلت الهرميّة على الشكل التالي : اختزال الوطن والشعب بحزب البعث، واختزال حزب البعث بالرئيس الأسد. وهذا يعني : جمهورية في الظاهر والعلن، وملكيّة آحادية في الحقيقة.
لقد وضع الأسد نظاما أيديولوجيّ الطابع عمل خلال سنوات حكمه على تخزين كمّ تراكميّ من الولاء والتأييد في الوجدان السوري. حتى بات الأسد الأب رمزا أو عنوانا أبديا لسوريا في أذهان السوريّين. لكنّ الممارسة كانت دمويّة، فقد عمل الأسد على عسكرة المجتمع وأطلاق يد أجهزة الأمن التي عطّلت سيادة القانون وارتكبت أعمال عنف وغيّبت مؤسّسات المجتمع المدني. وتحكّم المحسوبون بموارد البلاد وأثروا، فيما عاش أكثر من نصف السوريّين تحت خطّ الفقر، وعانت البلد من معدّلات نموّ منخفصة في الأقتصاد، ومن تدهور في الخدمات، وارتفاع في منسوب البطالة، وركود في القطاعات الأنتاجية. وساد الفساد وهو التجسيد الفعلي للأستعمال السيّئ للسلطة، في ظلّ تبخّر الضوابط القانونية، وعمّ الكبت التام للرأي والقول والنشر ممّا أنتج حالة تصحّر فكريّة عزلت الناس عن عصرهم.
ومع هذا كلّه، استطاع الأسد أن يجد لنفسه دورا أقليميا خلال الحرب الباردة، بوضع رجل في بور الولايات المتحّدة الأميركية، ورجل في فلاحة الأتّحاد السوفياتي البائد. وعرف كيف يلعب على عاملي الوقت والوقوف على شفير الهاوية، ويستثمر شعار الصمود والتصدّي للعدوّ العاتي كي تنفرز له شعبية عربية وتكوكب داخلي، فطبع بعض الزمن بالعنف والعقل. وقد خلفه، بعد رحيله، أبنه الدكتور الذي أمضى ردحا من حياته في الخارج متخصّصا، ومطّلعا على حضارات الناس وتقدّم المجتمعات.
ولم تذهب هذه الذخيرة هدرا، أذ سارع بشّار الرئيس الى طرح مجموعة من الأفكار الأصلاحيّة في بيانه الرئاسي، واعدا الشعب بالتغيير الأيجابي وبنهج مختلف يأخذ في الأعتبار حقوق السوريّين المهدورة وتوقهم الى الحريّة والأنفتاح والديمقراطية. هذا الأعلان أدّى الى أحياء أمل دفين لدى الشعب السوري، بمواليه ومعارضيه على السواء، بأنّ الأواتي من الأيّام ستزيح عن كاهل الناس حيثية الفقر والتهميش والقمع والحلول العنفية وكمّ العقول ومجازر التعذيب. فالرئيس الشاب المتنوّر يحمل مشروعا تقدّميّا ديمقراطيا، ومن حقّه أن يحظى بالفرصة. وكانت باكورة الخطوة الجديدة أطلاق تقنيّات الأتّصال أو الأنترنت، والترخيص لبعض المصارف غير السورية للعمل على مساحة الدولة. وشعر السوريّون أنّ رئيسهم الشاب، أو هكذا أشعروا، كان يحيط بالمعلومات الدقيقة عن حقيقة الوضع الداخلي وتداعياته السلبية على الشرائح المكوّنة للنسيج الوطني، وهو بالتالي يحمل الحلول في جيبه. لكنّ الفرصة تمدّدت على بساط عشر من السنين، من دون أن يتبدّل شيء الا حال الأحباط والنفور والأشمئزاز لدى قطاعات شعبية واسعة، اذ أدّى فقدان الأمل الى تفاقمها، فأصبحت مستعدّة للقيام بردّة فعل في وجه من أجهض الفرصة ونحر الحافز. وأزفّت الساعة الملائمة مع الربيع العربي، فراح السوريّون الأحرار ينظرون الى نظامهم القائم نظرة أوروبا الى السلطنة العثمانية، فأطلقوا على النظام وعلى الذين يقودونه لقب "الرجل المريض"، ما يعني أنّ الحكم مترهّل مفكّك ومريض ضعيف ومشرف على الزوال.
بعد انهيار الأمبراطورية العثمانية، قدّر لتركيا مصطفى أتاتورك الذي وحّد البلاد وأعاد ما سلخ عنها بموجب معاهدة "سيفر" في العام 1920، وقام بخطوات تقدّمية في مجالات عدة، أبرزها أعلان تركيا جمهورية ديمقراطية، قوامها قانون الحقوق المدني وفصل الدين عن الدولة، وأعطاء حقوق متساوية للرجل والمرأة، وتطبيق قوانين خطط التنمية والتشريع الصناعي، وتوحيد التعليم وتنظيمه. وأدّى ذلك الى ردم الهوّة بين الدولة والشعب، وأسّس لمجتمع يعمل على ترتيب نفسه مستندا الى الحقوق والمساواة وتطوير الفرد. وقال في هذا المجال: أنّ التغييرات التي أجريناها كانت للوصول بتركيا الى مصاف المجتمعات المتحضّرة، لقد أخذنا البلد من عصر الى عصر جديد آخر. وقد أعتبر أتاتورك أب الدولة التركية المعاصرة والحديثة، التي نشهد لمعالمها في يومنا هذا.
والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه – سياسيا– هل بات من المستحيل تكرار أتاتورك آخر، ولكن على الساحة السورية؟ أمّا أذا كان "أتاتورك" ممكنا، فأنّه يحتاج الى موقف شجاع.