كتبت منال زعيتر في صحيفة "اللواء": اعتاد السياسيون اللبنانيون على تغليب منطق الرهان على منطق الحوار في مقاربة القضايا الخلافية غير آبهين بالثمن الذي يتكبده لبنان "دولة وشعبا" جراء انتهاج هكذا سياسات أدت الى ما أدت اليه من نشوب الحرب الاهلية والاغتيالات السياسية وصولاً اليوم الى ملفي المحكمة الدولية والمطالبة بنزع سلاح "حزب الله"، ورغم أنه توفر للداعين للحوار "علم وخبر" مسبق بأن مثل هكذا دعوة لن تلقى التطبيل والتزمير اللازمين لإجتماع الافرقاء مجدداً حول طاولة الحوار المستطيلة غير أنه يبقى للدعوة حسابات مختلفة لدى المعنيين من المؤكد أنها غير مرتبطة بالخارج ولن يُسمح لها بأن تكون تحت وصاية عربية في المبدأ غير متوفرة حالياً نظراً للتغيرات العديدة في المنطقة خصوصاً أن الأفرقاء العرب المؤثرين على السياسة اللبنانية إما تحولوا من حيادين إلى منحازين لطرف على حساب آخر فانتفى دورهم كوسيط أو أن بعضهم مشغول بمعالجة أوضاعه الداخلية، وبينهما من يقف على الحياد بانتظار جلاء الصورة في المنطقة العربية ككل "ليبني على الشيء مقتضاه".
وأغلب الظن أن المبادرة الحوارية التي دعا اليها رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط وباركها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لن ترقى حتى الى مستوى الحوار الذي جمع الفريقيين الآذاريين (موالاة ومعارضة) في 2006 ، وعلى الرغم من تشابه نص دعوة الحوار لجهة أن القضية والملف الأساسي واحد لم يتغير وما زال يدور في فلك تجريد "حزب الله" من سلاحه إلا أنه سيمارس هذه المرة بوتيرة أقوى نظراً إلى أن المعارضة الحالية كانت في السابق تنعم "بعز ورخاء السلطة" دون حسيب أو رقيب بينما هي اليوم تعيش حالة من العزلة السياسية بعد أن اتخذت الأكثرية قراراً لا رجعة عنه بإقصائها عن السلطة ومفاصلها الأساسية مع الإبقاء على بعض رموزها تحت السيطرة والمراقبة.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة فإنه من الخطأ الاعتقاد بأن هناك إمكانية في ضوء الظروف الحالية الداخلية المتعلقة بملفي المحكمة والحكومة والمظللة بمشهد عربي متوتر وضبابي لا سيما في سوريا أن يعمد الأفرقاء المعنيون الى الدخول الى طاولة الحوار للتفاوض، فالحزب لن يقبل بالتفاوض بشروط مسبقة وهو ليس مستعداً للتفريط بسلاحه في ظل تزايد التهديدات الإسرائيلية واستمرارالاحتلال لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، يضاف اليهما محاولة المحكمة الدولية ابتزازه بطرق ملتوية للمساومة على ملف المقاومة وسلاحها وأمن اسرائيل والسلام معها واخلاء الساحة الداخلية لفريق دون آخر، كما أن المعارضة التي خرجت من السلطة مرغمة بقوة "الثلث المعطل" سياسياً ليست بوارد إعطاء الأكثرية ورقة شرعية لحكومتها بالقبول بالجلوس معها، وهي سابقا انسحبت من مجلس النواب لحظة اعطاء تلك الحكومة الثقة في خطوة ستطبقها هذه المعارضة في كل المحافل الداخلية والخارجية مع الأخذ بإمكانية ولو كانت ضئيلة بأن هناك احتمالاً لسقوط نظام بشار الاسد مما قد يعطيها دفعاً إضافياً لممارسة معارضتها "بشماتة وقوة" إذا جاز التعبير.
وتضيف المصادر بأن "ضربة المعلم" في هذا السياق تمثلت بما أقدمت عليه الأكثرية بالتزامن مع الدعوة للحوار عندما أعلنت قبولها به ليس لشيء إنما من منطلق حرصها على إرساء التهدئة الداخلية، وعندما طالبت بإعادة فتح ملف شهود الزور الذي أرق جفون الكثيرين وهدد بفتح ملفات مغلقة كشفت ويكليكس بعضاً منها.
وتضيف المصادر أنه إذا ما تغيرت الظروف وتقبل الطرفان الجلوس والتحاور معاً فإن ملفي المحكمة الدولية وشهود الزور سوف يحددان وجهة هذا الحوار لسببين أساسيين:
أولاً: إن القرار الاتهامي الذي أصدرته المحكمة بحق أفراد من حزب الله ليس بوارد التطبيق في ظل حكومة حريرية او ميقاتية وهذا ما أكده السيد نصرالله مما يعني بأن التلويح بعصا القرار الاتهامي او حتى بحرب اسرائيلية لن يهز الحزب، ولن يغير في المعادلات السياسية القائمة لجهة بقائه ورقة صعبة من المستحيل المفاوضة عليها تحت أي ظروف كانت، وحتى وبين هلالين (في حالة سقوط النظام السوري) وهذا ما يعلمه الجميع في الداخل والخارج مما يؤكد خسارة المعارضة ورقة أساسية تراهن عليها لتركيع الحزب وإخضاعه لشروطها.
ثانياً: إن التحقيق في ملف شهود الزور بما يحويه من تجاوزات لقادة ومسؤولين كبار لن "يمر مرور الكرام" وحتى إن كان هناك اعتبارات عديدة لدى الأكثرية لبقاء هذه المحاكمات والتحقيقات ضمن الإطار الذي يحمي العدالة والسلم الأهلي ، وفي هذه الحالة فإن الأكثرية تكون وحدها ممسكة بزمام الأمور وسوف يكون بمقدورها التحكم في هذا الملف بما يخدم توجهاتها وسياساتها، والأقلية مجتمعة لا تملك ما تملكه هذه الأكثرية لاسيما ما يملكه <حزب الله> من حصانة شعبية داخلية ومن تنظيم سياسي وقانوني وعسكري يصعب خرقه بسهولة مما يخسر هذه المعارضة ورقة أخرى للتفاوض.
ومن هنا يشكل الدخول الى طاولة الحوار بالنسبة للأكثرية ولحزب الله تحديداً مصدر قوة في أسوأ الأحوال نظراً إلى أهمية الملفات التي يملكها وإلى الحاجة الى موافقته، فحوار بين الجميع دون هذا الفريق لا يمكن ان يؤتي ثماره، كما أن عدم تماسك الأقلية رغم كل الدعم العربي والدولي لن يسمح لها بالتفاوض وفق شروطها، ولكن وفي المحصلة وبمعزل عن أي تصورات مسبقة للحوار وأركانه تبقى الكلمة الفصل لتسويات "اللحظة الأخيرة" التي تقيل حكومات وتشكل أخرى وتجمع أقطاباً وتفرقهم…مع الأخذ بعين الإعتبار وفق تأكيدات قطب سياسي بارز لـ"اللواء" بأن "حزب الله" سيكون هو الرابح الأكيد في جميع التسويات لأنه ليس طالب سلطة وهو مستعد للتنازل عنها شرط عدم التنازل عن سلاح مقاومته وحمايته حتى الرمق الأخير.