كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": قد ينقضي ربما 50 عاما قبل ان يتمكن وزير الخارجية الاستوني اورماس بايت من كشف تفاصيل ملابسات خطف السياح الاستونيين في لبنان. اذذاك، سيكون رئيس الديبلوماسية الاستونية، احد القلائل المطلعين على خفايا العملية، في الـ 87 من عمره وهو يفكر منذ الآن في اصدار كتاب عنها.
بانطباع وجداني يختزل مسيرة متواصلة "مثلثة البعد" ديبلوماسيا وسياسيا وأمنيا، علق بايت على النهاية التي بلغتها ازمة الرهائن بعد 4 اشهر على بداياتها. واذا كان استمرار التحقيق يحول دون اصدار الاستنتاجات على انواعها، كما يتبين من ردود الوزير الشاب المقتضبة على عدد من اسئلة "النهار"، فان ذلك لا يمنع الخارجية الاستونية من كشف النقاب عن مجموعة معطيات ميزت المواكبة المحلية والدولية "لأزمة الرهائن" خلال الايام الـ 114 التي استغرقتها.
ففي موازاة المساءلة المتواصلة عن العملية وخلفياتها على المستوى الداخلي، وعكستها الاسئلة التي وجهها عدد من النواب الى الحكومة في الايام الاخيرة، بدا واضحا ان الافراج جاء ثمرة جهد عربي ودولي شمل اكثر من شريك. وهو جهد دللت عليه رسائل الشكر التي وجهتها استونيا الى دول بعد تحرير المختطفين.
وبالتزامن مع الرمزية التي اكتسبها الاطلاق اذ جاء في ذكرى الثورة الفرنسية في 14 تموز الماضي، برز تعاون استثنائي ومساهمة ملحوظة مع "شركاء آخرين" كما وصفهم بايت، بينهم ممثلو دول لبنان وفرنسا والمانيا وتركيا. وفي خطوة تبين مدى دقة العملية وتشابكها، يضيف مصدر في الخارجية الاستونية الى اللائحة ادوارا لكل من بريطانيا ورومانيا والاتحاد الاوروبي ونروج واسوج وقازقستان وهولندا وايطاليا، والامارات العربية المتحدة وروسيا وفنلندا وسلوفاكيا وجمهورية تشيكيا وقبرص وبلغاريا فضلا عن التواصل المستمر مع لبنان. وقد اثمر كل ذلك، على قوله "تعاونا ناجحا" في القضية.
لا شك ان الايام اللاحقة لعودة الدراجين السبعة الى الحرية حفلت بشريط تسريبات وتحليلات عن خبايا الازمة وخفاياها. والمعطيات هذه تساهم ربما في ابقاء الديبلوماسية الاستونية على حذرها وترقبها في التقويم في انتظار جلاء سلسلة امور. في مقدمها "ان التحقيق الجنائي سيستمر حتى يتم تحديد الجهة التي تقف وراء العملية ودوافعها" على ما يقول بايت علما ان التحقيق هذا يقوده لبنان وتساهم فيه كل مؤسسات التحقيق الاستونية ايضا.
بازاء اقتناع واضح تولد لدى الجانب الاستوني ان دور الخاطفين لم يتخط اطار التنفيذ، ثمة رهان على ان تستمر التحريات حتى جلاء هوية "صناع القرار" في العملية. والى ذلك الحين، يبدو ان لا خلفية سياسية او ايديولوجية واضحة للفاعلين، على ما يستنتج ولو ان المؤسسات الاستونية وممثليها لم يكونوا في اي مرحلة على تواصل مباشر مع الفاعلين. فعلى غرار الروايات البوليسية الشهيرة، حصل تبادل للمعلومات بطرق ووسائل عدة، كأن يتصل شخص بآخر ويتولى بدوره ابلاغ ثالث، ليعود بدوره الى المتصل الاول… وهكذا دواليك: "الدوافع جرمية طبعا – يعلق – غير انه من الصعب القول ما اذا كانت سياسية او ايديولوجية او مالية. وقد يحصل ان تتغير هذه الدوافع مع الوقت. فالامثلة لدى العارفين بخبايا هذا العالم كثيرة".
يكتفي بايت في تأكيد معطى واحد. قوامه ان "العملية تحمل توقيع منظمة اجرامية تعمل في شكل جيد". والتأكيد هذا مرده الى المخابئ التي اعتمدت، الى مسألة نقل المخطوفين بين الحدود الوطنية في شكل آمن، كما يلاحظ، ما اضفى على العملية طابعا دوليا يصعب الى الآن تحديد مداه او اطاره. وفيما يستمر الاخذ والرد حيال دور المؤسسات المحلية في القضية، يبرز تأكيد استوني وانخراط لبنان في العملية عموما. انخراط يبلوره الحديث عن تعاون ثنائي سار في شكل جيد ويترافق مع اقرار باللجوء الى مساعدة شركاء آخرين في مراحل، انطلاقا من خيارات اتخذتها الاجهزة المختصة.
واذا كان التحفظ يبقى "سمة" حديث الديبلوماسية الاستونية في تناول اي معطى يتعلق بدفع فدية او عدمه، بعدما حكي عن أرقام متباينة في هذا الشأن، فهو يسري ايضا على تشخيص الخارجية لمشهد تداعيات انعكاس الوضع الشرق الاوسطي كلا على ما آلت اليه العملية. اذ يبقى المهم في نظرها ان التحرير اتى بطريقة سلمية وخصوصا ان سجل العمليات المماثلة التي استخدمت فيها القوة عالميا يبدو حافلا بالدماء… والضحايا.