كتبت موناليزا فريحة في صحيفة "النهار": خلطت الانتفاضات الشعبية في العالم العربي أوراق التحالفات في المنطقة، فباعدت حلفاء وقربت خصوماً، مرسية أسس خريطة سياسية جديدة لا يزال تحديد ملامحها النهائية سابقاً لأوانه. ومع أن الدفء سلك خط الرياض- الدوحة قبل حلول موسم"الربيع العربي"، التقت مصالح المملكة والامارة فيه حيناً، واختلفت مقاربتاهما له أحياناً، فأين اختلفتا وأين اتفقتا؟ وقبل كل شيء كيف تصالحتا؟
في تموز 2006، خرج وزير الطاقة القطري عبدالله بن حمد العطية عن صمته في شأن مشروع متعثر قيمته مليارات الدولارات لتزويد الكويت غازا قطرياً، معلناً إن احتمالات بناء خط الأنابيب تراجعت نتيجة عدم موافقة السعودية على الخط الذي يفترض أن يمر عبر أراضيها المائية.
في رأي المعلق في الشؤون العربية سلطان سعود القاسمي، ومقره في الامارات، أن هذا المشروع يشكل نموذجاً للعلاقات المتأرجحة بين قطر والسعودية. فعندما اقترحه القطريون عام 2001 رفضه السعوديون ثم عادوا ووافقوا عليه عام 2003، ليتضح مجدداً عام 2006 أنهم يعارضوه.
والواقع ان التوترات بين الدولتين الغنيتين بالطاقة والعضوين في مجلس التعاون الخليجي تعود الى عام 1992، عندما تطورت خلافات حدودية بين الجانبين الى اشتباك مسلح سقط فيه قتيلان. ومذذاك، شهدت العلاقات بين الجانبين سقوطاً حراً.
فبعد حادث 1992، ألّف الجانبان لجنة مشتركة لحل النزاع الحدودي، الا أنها لم تحرز اي تقدم. وقاطع الملك عبدالله بن عبد العزيز، إذ كان ولياً للعهد، القمة العربية في الدوحة عام 2000، احتجاجاً على فتح المكتب التمثيلي التجاري لاسرائيل في الدوحة. وبعد ذلك بسنتين، سحبت الرياض سفيرها من العاصمة القطرية، وسط استياء من انتقادات للعائلة السعودية المالكة في برنامج حواري على قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية.
وبالتزامن مع التوترات الديبلوماسية، كانت تبرز طوال سنوات خلافات على مشاريع مقترحة تخص أحد الجانبين، من معارضة الرياض عام 2005 جسراً مقترحاً بين القطر والامارات بحجة أنه يمر فوق مياهها، الى مشروع خط أنابيب قطري – اماراتي قالت "رويترز" إن السعودية أثارت اعتراضات على طريقه، في رسائل الى الشريكين الاصغرين فيه "توتال" الفرنسية و"أوكسيدنتال" الاميركية.
المحور القطري – السوري
خلال سنوات الجفاء، اتخذ النزاع أحياناً طابعاً شخصياً، وأججته علاقات قطر تارة مع اسرائيل وطوراً مع ايران. وفي الفترة عينها، عملت قطر على تطوير علاقتها مع سوريا، سياسياً واقتصادياً، فتبادل الرئيس بشار الاسد وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الزيارات، وضخ المستثمرون القطريون مليارات الدولارات في الاقتصاد السوري المتداعي.وبات المحور السوري-القطري بالتعاون مع ايران و"حماس" و"حزب الله"، يعتبر ثقلا وازناً للمحور المؤيد للغرب والذي تمثله مصر والسعودية خصوصاً. ولم تفوت السعودية فرصة للتعبير عن استيائها من سياسات قطر.
وبينما كان المحور القطري – السوري يرسخ أسسه، حاولت الدوحة تخفيف الاجواء المشحونة مع المملكة، فقام أمير قطر بزيارة مفاجئة للرياض في أيلول 2007، مهدت لمشاركة العاهل السعودي في قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت في الدوحة في كانون الاول عامذاك. وقبل زيارة الشيخ حمد بأكثر من شهرين، وصل الى السعودية رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وأجرى محادثات مع المسؤولين السعوديين شهدت "مكاشفة" ومهدت لفتح صفحة جديدة بين الجانبين.
وبعد زيارة ولي العهد السعودي الامير سلطان بن عبدالعزيز في آذار 2008 العاصمة القطرية، استضافت جدة في تموز قمة رفيعة المستوى طوى خلالها البلدان صفحة خلافهما الحدودي وأنشآ مجلساً مشتركاً برئاسة وليي العهد في البلدين لتعزيز العلاقات السياسية والامنية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية والثقافية والاعلامية.
"الجزيرة"
وكانت الجبهة الاعلامية شهدت تراشقاً حاداً بين الجانبين، وكانت "الجزيرة" تحديداً احد أسلحتها الرئيسية، لذا، كان لا بد لأية هدنة من أن تشمل هذا المنبر تحديداً.
وفعلاً، نقلت صحيفة "النيويورك تايمس" عن المحلل الامني مصطفى العاني من مركز أبحاث الخليج في دبي أن أمير قطر اصطحب المدير العام للقناة القطرية وضاح خنفر الى الرياض في أيلول 2007. وفي حينه، نسبت الصحيفة الى أحد موظفي "الجزيرة" أن" أوامر أعطيت بعدم التطرق الى أية مسألة سعودية من دون العودة الى الادارة العليا"، وتالياً "اختفت كل الاصوات المنشقة عن شاشاتنا".
وبلغ التحسن في العلاقات مستوى جديداً في أيار 2010 عندما عفا أمير قطر، بناء على طلب من العاهل السعودي، عن عدد من السعوديين اتهمتهم الدوحة بالمشاركة في انقلاب نفذه مناصرون لوالد الشيخ حمد عام 1996.
سادت الهدنة جبهات عدة، ولكن على رغم التقارب، كانت تشنجات تظهر على السطح من حين الى آخر، وخصوصاً عندما كان الامر يتعلق بسوريا.وقد رفضت السعودية مع مصر في كانون الثاني 2009 حضور قمة عربية طارئة في الدوحة أيدتها سوريا و"حماس" للبحث في الوضع في غزة التي كانت تتعرض لهجوم اسرائيلي. ولما لم يكتمل النصاب، عقد بدل القمة اجتماع تشاوري دعا إلى تعليق مبادرة السلام العربية والغاء عمليات التطبيع مع إسرائيل.
"الربيع العربي"
ومع بدء الانتفاضات الشعبية في العالم العربي، اختلفت ردود فعل الدوحة والرياض عليها. ففيما كان الدعم القطري للثورة المصرية واضحاً في تغطية "الجزيرة"، دعمت الرياض الرئيس المصري حسني مبارك حتى النهاية. وعلى رغم العلاقات المتوترة بين ليبيا والسعودية، لم تحض الرياض العقيد معمر القذافي على التنحي، بينما ذهبت قطر بعيداً في دعمها الثوار.
وفي ما خص سوريا، بدا في البداية أن الرياض والدوحة متفقتان تماماً على هذا الشأن. وبعد بدء الاحتجاجات في سوريا في آذار الماضي، أرسلت قطر مبعوثاً الى دمشق حاملاً رسالة دعم للنظام، الا أن الامور سرعان ما تطورت عكس ذلك،وصولاً الى حزم السفير القطري حقائبه في 18 تموز ومغادرته العاصمة السورية، وسط حرب اعلامية شرسة بين "الجزيرة" ووسائل الاعلام السورية .
اما السعودية، فتلتزم جانب الحذر. فعلى غرار الثورة المصرية، من البديهي أن تضطلع جماعة "الاخوان المسلمين" المحظورة في سوريا بدور في التحركات الشعبية، ولا شك في أن قطر لا تخشى وصول هؤلاء الى السلطة بقدر السعودية التي قد تكون أيضاً قلقة على الاستقرار في لبنان في حال حصول تغيير في النظام السوري.
وفيما يكتنف الغموض موقف ايران من تدهور العلاقات بين سوريا، حليفتها الرئيسية في المنطقة، وقطر، التي تشاطرها السيطرة على أكبر حقول للغاز في العالم، تواصل العلاقات القطرية – السعودية تحسنها.وفي الاسابيع الاخيرة، ازداد عدد رحلات الخطوط الجوية القطرية الى السعودية من 35 الى 60 رحلة.وفي أيلول المقبل يتوقع وصول بعثة من 100 رجل أعمال سعودي الى قطر للبحث في فرص الاستثمار، بما فيها انشاء مصرف سعودي – قطري ومنطقة صناعية مشتركة.أما "الجزيرة" التي كانت محظورة في المملكة، فقد حصلت على الضوء الاخضر لفتح مكتب سعودي.
وفي رأي القاسمي أن العلاقات الودية قد تستمر على الاقل حتى سنة 2022 عندما تستضيف الدوحة نهائيات كأس العالم لكرة القدم. فهو يقول إن قطر تحتاج الى التعاون الكامل لجارتها الكبرى وأنها لن تألو جهداً لانجاح فرصتها الذهبية.