كتبت هنادي السمرا في صحيفة "اللواء" : تخطت الخلافات السياسية بين فريقي المعارضة والأكثرية الجديدة على الملفات الداخلية الكبرى والتي ظهرت في جلسة مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي – خصوصاً ما يتعلق منها بطريقة إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري – وآلية التكليف والتأليف وما يدور في فلكهما من شد حبال على مفهوم الحكومة وإستتباعاً موضوع المحكمة الخاصة بلبنان للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتناقض الحاد حول الإلتزام بها، بالإضافة الى السلاح وعملية اختطاف الاستونيين السبعة وإطلاق سراحهم مع ما حملته من غموض وملابسات شكّلت وستشكّل أساساً لمساءلة الحكومة والوزراء المختصين لدى بعض الكتل النيابية المعارضة وأخيراً، وليس آخراً التعيينات وما رافقها من اتهامات بالكيدية والمحاصصة وتبرؤ مقابل، بالإضافة الى الكثير الكثير من المواضيع التي ستظهر معالمها تباعاً سواء في المجلس النيابي (وما يشوبه من إنقسام نيابي حاد على جميع المقاربات) أو في الحكومة (التي تمثل بتركيبتها وجهة نظر أحادية الطابع).
إلا أن كل هذه القضايا الضاغطة سياسياً ورغم خطورتها على الداخل اللبناني (ليس فقط لثقل حجمها بل لما قد ينتج عن الإنقسام حولها من تداعيات على الأمن والاستقرار وطريقة تعاطي الفرقاء المتنازعين منها)، إلا ان هذه الخطورة قد تطغى عليها بل تطيح بها جميعاً – بغض النظر عن وجهة نظر كل فريق منها – قد تطيح بها أي محاولة إسرائيلية يستفيد منها العدو كعادته للدخول من ثغرة تنتج حكماً نتيجة لهذا الإنقسام، ما يجعل من كل مساعي المعارضة والأكثرية لانتزاع المكاسب المتبادلة، أقل ثمناً من ما قد يدفعه الطرفان أمام المخططات الصهيونية، لوضع اليد على الثروات اللبنانية وخصوصاً ما يتعلق منها اليوم بالحقوق البحرية، بعد أن صالت وجالت إسرائيل كثيراً ولا تزال في احتلال الارض اللبنانية، لا بل في محاولاتها المستمرة بإدارة الظهر للحقوق اللبنانية كما العربية والدولية وعدم الإلتزام بكل مقرّرات الشرعية الدولية، وما يعنينا هنا قانون البحار الذي ينظم العلاقة الحدودية البحرية بين الدول والتي لا تعترف به اسرائيل ولم توقع اساساً على البروتوكول الخاص به.
واليوم ها هي بدأت سرقة الملك اللبناني في النفط والغاز، في حين بقي القانون الذي صدر عن المجلس النيابي منذ أكثر من عام في عهد الحكومة السابقة للتنقيب عن النفط والغاز، بقي دون مراسيم تطبيقية هذا إذا تناسينا الخلافات التي سبقت إقرار القانون والتي اشتعلت مع مناقشة الموضوع آنذاك حيث غاص النواب في التفاصيل الصغيرة ما صح آنذاك معه المثل الشائع "الخلاف على جلد الدب قبل شرائه".
واستطراداً، نجد من الضروري التذكير ان رئيس مجلس النواب نبيه بري كان من أشد المتحمسين لاقرار القانون وهو كان أول من حذّر من التلكؤ في تشريع المراسيم التطبيقية (وكانت آنذاك من مهام وزير الطاقة السابق والحالي جبران باسيل)، حيث تخوّف بري من ان يسبقنا العدو في سرقة حقوقنا المائية والتنقيب عن غازنا ونفطنا – وهو ما حصل – ونحن نغوص في الخلافات الداخلية مؤكّداً أن لبنان لن يفرط في نقطة مياه أو ذرة تراب، داعياً لتشريع يحفظ الحقوق اللبنانية.
وعلى هذا الأساس، وبعد أن حدّد الرئيس بري جلسة تشريعية في 3 و4 آب المقبل – بعد ان صدر مرسوم الدورة الاستثنائية من 18 تموز ولغاية 17 تشرين الاول – فإن الاتصالات والمشاورات بدأت بالفعل وعلى أكثر من صعيد، بدءاً بتكليف رئيس المجلس لجنة الاشغال العامة والطاقة والمياه النائب محمد قباني لإيجاد الوسيلة الأسلم والأسرع لتحديد الحدود البحرية وتشريعها كقانون لبناني (وهو أول من طرح هذا الموضوع على طاولة اللجنة بل أخذ الأمر على محمل الجدّية ما ساهم بالقاء الضوء وبشدة على هذه الحقوق، تسجيلها أمام الأمم المتحدة ومواكبة بشكوى يتقدم فيها لبنان امام مجلس الأمن ضمن الفصل السابع يضع فيها الاعتداء الإسرائيلي على الحقوق البحرية اللبنانية بعد ان تجاوزت مساحة التعدي 860 كلم مربع.
وفي خضم هذا التحرك، سيكون هذا الموضوع البند الأساسي بل هو الأكثر إلحاحاً على جدول أعمال الجلسة التشريعية، وهو ما لمّح إليه بري صراحة خلال لقاء الاربعاء النيابي، وتزامن ذلك مع التحرك الذي قام به النائب قباني بتكليف من بري بين السراي الحكومي والمجلس النيابي لإيجاد الإطار القانوني، أكان عبر مشروع حكومي يحال الى المجلس بصيغة معجل مكرر (علماً أن جلسة لمجلس الوزراء حدّدت في 2 آب المقبل) أو اقتراح نيابي يصدر عن أحد النواب ويسلم إلى رئاسة المجلس وان قبل يوم من الجلسة التشريعية في 3 آب أو صباح الجلسة نفسها (كمعجل مكرّر بناء الى الضرورة الوطنية)، كما أوضح رئيس اللجنة النائب قباني لـ"اللواء" كاشفاً أن اللقاء الذي جمعه امس مع الرئيس ميقاتي مكلّفاً من الرئيس بري تمّ خلاله الاتفاق على بلورة صيغة سريعة على ان تتم بالتزامن مع تحرّك داخلي وخارجي لاستصدار هذا القانون بشكل يحمي ويحفظ الحقوق المائية.
وأكد النائب قباني ان الهدف هو صيغة وطنية موحّدة بعيداً عن الخلافات الداخلية، مشيراً الى ان في الاقرار مصلحة وطنية عليا بكل المقاييس اللبنانية.
أما عن إمكانية الإنقسام حول الموضوع في الجلسة التشريعية – بين مؤيّد أو معارض للتصويت – يقول قباني حساسية وأهمية هذه الخطوة بالنسبة للبنان حاضراً ومستقبلاً تتخطى عملية الموالاة والمعارضة وليس من اللائق بل لا يجوز أن يقف أحد ضده، وإلا ففي هذه الحالة ستوجه الإتهامات الى من يقف حجر عثرة أمام مواجهة العدو الاسرائيلي ومنعه من الاعتداء على حقوقنا المهم كما قال قباني ان يكون أمام رئاسة المجلس النيابي قبل الجلسة الصيغة القانونية وهذا هو بيت القصيد.
وعلى نفس الإتجاه، استكمل تحرّك قباني بلقاء بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والوزير باسيل كان محوره تحديد الحدود البحرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وقد أكد باسيل ان الرئيس ميقاتي يسعى لتسريع الاجراءات لتحديد الحدود وإستنفاد كل الإمكانات لإزالة العراقيل الداخلية أمام قوننة التحديد، ومن ثم متابعة الوضع مع الأمم المتحدة وإذا كان باسيل تحدث عن تقاعس سابق في الحكومة السابقة رغم اعتراضه ان لبنان سبق له وقام بقسم من العمل (اصدار القانون) فإنه اعتبر ان اي تقاعس اليوم ستستفيد منه إسرائيل.
إلا أن كل هذا التحرك، لا بد وأن يأخذ بالحسبان ما صدر عن السفارة الأميركية بالأمس من تحذير مبطن مفاده ان <الحدود البحرية تحل دبلوماسياً>، والذي جاء إنسجاماً مع ما سبق وصدر على لسان ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في الشرق الأوسط مايكل وليامز لجهة ان النزاع على الحدود البحرية قد يهدّد استقرار المنطقة، و<ان اسرائيل تسبق لبنان بسبع سنوات عمل>، بالاضافة الى ما كانت تحفظت عليه سابقاً الدولة التركية، لجهة ان الاتفاقية التي كان وقعها لبنان مع قبرص تتضمن محاذير تتعلق بالحدود التركية – القبرصية، ومع كل هذه الأمور الخطأ الذي تضمنته الاتفاقية حول <النقطة 23> والتي جاءت عن قصد أو غير قصد لصالح اسرائيل (علماً ان قباني اعلن بعد اجتماع اللجنة تجميد الاتفاقية والعودة للتفاوض الحبي مع قبرص، مشيراً ان لبنان يتحمل خطأ عدم متابعة الأمر بتفاصيله خلال اقرار الاتفاقية)، ويقول قباني ان العمل اليوم يبدأ من الصفر لأن ما كان موجوداً في الثمانينيات لم يعد صالحاً.
أمام هذه المحاذير، فإن السؤال الابرز اليوم هل سيتم اللجوء الى اقتراح ينظم <حدود الاطار> كما تؤكد المصادر النيابية، وفي حال حصل هذا، فهل سيتخذ القرار بإجماع المجلس النيابي، وفي حال جاء الحل عبر مشروع قانون من الحكومة، هل ستبصم عليه المعارضة وهي على مفترق طرق مع الحكومة•
ورغم ان رئيس لجنة الاشغال يؤكّد ان هذه الموضوع حساس ويجب ان يشكّل إجماعاً وطنياً حكومياً ومجلسياً، فإن ما سبق ورفضته إسرائيل ولم تأخذ به على الأرض من قرارات دولية، فما هو الحال وهي لا تعترف أصلا بقانون البحار، وهل سيتمكن مجلس الأمن من إتخاذ قرار يلزم فيها اسرائيل بالاعتراف بحدود بحرية، متأرجحة وهي لا تعترف بالحدود البرية الثابتة؟ قد يكون الحل باللجوء الى محكمة العدل الدولية أو الى التحكيم، ولكن يبقى الحل الأكثر أماناً وأسرع بإستخراج هذا التشريع اللبناني – بغض النظر عن الآلية – وتؤكد المصادر المعنية في لجنة الاشغال ان الجلسة التشريعية ستحمل هذه الصيغة القانونية الذي لا يزال العمل يجري عليها بقوة حكومياً ومجلسياً، وتعتبر انه وان في حال لم تعترف اسرائيل بالقانون فإن الشركات المنتجة والتي ستقوم بالتنقيب ملزمة بالتعامل والالتزام بالقانون الدولي واللبناني، وعندئذٍ سيعرقل هذا الأمر عمل اسرائيل بل <سيكربج> محركاتها ويضعها في مواجهة امام المجتمع الدولي.
أما الحديث عن الدبلوماسية، فهو أمر يجعل من المياه اللبنانية شبيهة بمزارع شبعا جديدة، وهو ما يضع لبنان أمام كل الاحتمالات التي سبق وخضع لها لإنتزاع حقوقه.
وأمام هذه المعضلة، يقول النائب قباني انه على لبنان ان يقوم بدوره بكل الطرق والوسائل المتاحة، ولكن السؤال الأبرز هل ستجمع <الحدود البحرية> بين السياسيين المختلفين على كل شيء، ما فرقته الحدود الداخلية سياسياً؟