#adsense

يعبرون الجسر..

حجم الخط

ليست مأنوسة أحكام القطع والفصل في الكتابة والسياسة، كما في كل شأن حياتي عام أو خاص.
الطبيعة الأولى لا تحتمل النفي والإقصاء، ولا تستسيغ إلا التسوية. والحياة في حد ذاتها تسوية بين نقيضين: الموت من جهة، والخلود من جهة ثانية. ويسري الحكم بعد ذلك، على كل ما يتناسل ويتفرع من ذلك الجذر. من الزواج الى غيره من "مؤسسات" عالم الاجتماع. اليوم كما بالأمس، ومنذ الأزل والى الأبد.

خارج ذلك المنطق وتلك البديهة تنكسر السيبة. ينتعش الأحاديون والأنانيون والمغامرون والحالمون. ويختل الميزان باتجاه صدام مفتوح ودائم لكن من دون أفق، وإلا لكانت اندثرت العمارة والبنيان، وظل الإنسان أسير غريزته الأولى في عالم غرائزي أقوى منه!

.. لكن بعض الافتراض الماشي على حافة القطع قد يكون في مكانه وزمانه وبيته وبين أهله. ومن ذلك الافتراض يأتي القول إن شيئاً استثنائياً سُجّل يوم أمس على صعيد حركة الشارع في الجوار. وإن هذه الجمعة قد تكون المؤشر الأبرز والأخطر الى ذهاب الأمور نحو مكان لا عودة منه.

أكثر من أي جمعة مضت، على مدى الشهور القليلة
الماضية، بدت جمعة الأمس مفصلية. تمظهرت فيها اتجاهات الريح والسير والمآل. وبدت التوجهات حاسمة في تصميمها على إكمال الشوط حتى نهايته. لا شيء سيؤثر أو يمكن أن يؤثر في تحركها المتدحرج نحو هدفها الأخير.
في المحصّلة الواضحة، إن الفصل مع الماضي ليس إلا ترجمة مباشرة لمنطق "التسوية" في جذرها الأول من جهة، ولرفض قصة النفي والإقصاء من جهة ثانية: البقاء في الماضي لا يتناسب ولا يتناسق ولا يتآلف مع عالم اليوم. في ذلك "نفي" لوقائع الدنيا وأحوال الزمان، وإقصاء عن مواكبتها. وفي المقابل، لا يُطلب التغيير إلا للاقتراب من تلك الوقائع والأحوال، والتعايش معها والأخذ بها تماماً كما تفعل وتقضي تلك "التسوية".

لا يفاجئ ذلك المآل أحداً، إلا الغاشي أو الغفيان أو صاحب الغرض. وبقدر حساسية الاقتراب من البارود، يصير الاقتراب مما يجري في جوارنا من دون دعسة ناقصة: لا يحتاج أحد من القاطعين مع الماضي الى تدخل خارجي من أي نوع كان. كما لا يحتاجون الى مواعظ مدرارة، لكنهم بالتأكيد يحتاجون الى دقّة أدبية في توصيف تحركهم كما هو. والى عدل في رؤية ما يواجهون. والى صوت يرفض الظلم اللاحق بهم.

وفي ذلك يُقال، إن تراكم خبريات ما جرى في الأشهر الماضية يبدو كافياً لإطلاق حُكم يُعتد به: كل الطرق والأساليب التي اعتمدت واستخدمت أدّت الى نتيجة عكسية. كلما زاد الحديد وطأة كلما ارتفع الصوت أكثر. وكلما لعلع الرصاص وانتشر كلما زاد عدد الصدور المفتوحة على المواجهة. وكلما زاد الاعتماد على قانون القسر والقهر، كلما زاد عدد متلقفي التحدي والرادين عليه. إنكسر الحاجز الأول والكبير. والمطبّات الباقية ليست ذات شأن. مرحلة تمضي وأخرى تتشكل.. "وجسر الشرق الجديد" لا يبدو أنه يتسع إلا للعابرين عليه باتجاه واحد!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل