لم يكن عارفو المونسنيور يوسف الزين طوق (72 عاماً) يدركون أن قساوة الموت يمكن أن تبلغ هذا الحد، ولا استساغ عارفوه وقادروه أن ينطوي ذاك الوقار ولا تلك الطيبة المغلفة بعبوس مشهود له، الى غير رجعة.
رحل المونسنيور طوق فجر أمس في صمت تماماً كما عاش كل حياته. توجه من الديمان مساء الخميس الى بيروت لمرافقة شقيقه ميشال المسافر الى أوستراليا حيث يقيم كما كثيرين من أبناء هذا البلد، أوصله الى المطار وودّعه معانقاً، ربما كان يدرك، أو هو لم يكن يدرك، أنه الوداع الأخير والعناق الأخير.
كم كان يشبه لقاء الأمس، ذاك اللقاء الذي حصل قبل ثلاثة أعوام بالتمام والكمال أي في تموز 2008 عندما رافق المونسنيور طوق البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الى أوستراليا ليرى شقيقيه ميشال وفؤاد. وهناك في أحد مطارات تلك القارة كان عناق بين الشقيقين هناك والشقيق هنا، تماماً كعناق بيروت. ثم رافق الشقيقان شقيقهما المونسنيور من مطار سيدني كما رافق المونسنيور شقيقه ميشال من بشري الى مطار بيروت.
ودّع المونسنيور طوق شقيقه وعاد الى بكركي ليبيت ليلته في الصرح الذي خدم فيه 25 عاماً حافظاً لأسراره، بعدما عينه البطريرك صفير على أثر انتخابه بطريركاً أميناً لسر البطريركية التي كان يشغلها البطريرك صفير نفسه أيام المثلث الرحمة البطريرك بولس المعوشي ثم شغلها المونسنيور البر خريش الذي اغتيل لاحقاً أيام عمه المثلث الرحمة البطريرك انطونيوس خريش.
لقد فقدت بكركي برحيل المونسنيور طوق كاهناً وقوراً هادئاً رصيناً كاتماً أميناً للسر، لا يبوح بما هو مؤتمن عليه، حتى أمام أقرب المقربين اليه.
عرفناه ذاك الكاهن الملتزم حدوده، التقي الورع، الرصين الوقور، الذي لايتفوّه إلا بالكلمة الضرورية. عرفناه، وعرفه اللبنانيون، بصوته الرخيم ونبرته الواضحة التي تفي الكلمة معناها، وتعطيها الأبعاد التي أرادها واضعوها في بيان مجلس المطارنة الموارنة الذين لم يكن المونسنيور طوق في بعض الأحيان أحد المساهمين في "تنميقها" والمقتنعين اقتناعاً كاملاً بمضمونها وأبعادها. كان المونسنيور يدرك "الثوابت" ويجيد إشباع المعنى عبر دقة اللفظ والتركيز على مخارج الكلمات.
أواخر عام 1985 وكانت العلاقة "تحسّنت" بين الرئيس الياس الهراوي والبطريرك صفير، وصل الهراوي الى بكركي يوم عيد الفصح، وما إن همّ بدخول الصالون الكبير حتى بادر البطريرك قبل الخـــــلوة المقررة بينهما بظرافته المعــــروفة:" خلص عرفنا موضوع الخلوة… سمعنا رسالة الفصح نحنا وجايين" ثم التفت يميناً ويساراً وسأل: "وينو المونسنيور طوق؟" وأضاف: "عندما أسمعه يتلو بيان المطارنة بوهرته ونبرته، أتخيل أن البيان هو بلاغ رقم واحد، وأن ثمة انقلابا".
تلك "الوهرة" التي عرف بها المونسنيور طوق كانت تخفي وراءها رجلاً مميزاً. فذاك الرجل الممتلئ العاقد الحاجبين، صاحب النبرة الرصينة الحازمة الملتزم "ثوابت بكركي"، لم يكن يحمل في صدره إلا قلب طفل ممتلئ عاطفة ومحبة، غير الضامر شراً لأحد، الساعي وراء كسب محبة الجميع، منذ عرفناه قبل ربع قرن.
رحل المونسنيور طوق. سيبقى بابه في البطريركية مقفلاً، وهذه المرة لن يفتح على غير عادة، إذا طرقنا. لقد خدم ذاك الكاهن، وزرع وأعطى زرعه ثماراً: سمعة عطرة، شفافية، محبون كثر، أصدقاء، معارف. لقد فرح المونسنيور طوق بفرح البطريركية، وحزن لحزنها، ولم يترك عرينه يوماً حتى في أشد الظروف قساوة عليها، وخصوصاً في أواخر الثمانينات، بل ظل الى جانب سيدها رأس الكنيسة، يرتاح إذا ارتاح ويتوجّع إذا توجّع.
ستفتقده البطريركية، وسيفتقده محبوه. وسنشتاق اليه كلما صدر بيان مطارنة أو تلي رقيم بطريركي.