تثير المواقف الاميركية من التطورات في سوريا التباسا في اذهان كثيرين من المتابعين في ظل مد وجزر سياسيين. اذ تبدو التفسيرات او التوضيحات التي تعقب هذه المواقف كأن هناك تراجعا او اندفاعا في غير موقعه او ربما انفعالا واحيانا غياب تنسيق بين الادارات الاميركية ان لم يكن تضارباً في الرؤى بين اركان صناعة القرار. وهذه الانطباعات تتركها بقوة المواقف التي تطلقها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون منذ بدء الانتفاضة الشعبية في سوريا بحيث تتمحور الاسئلة التي تطرح حول ما اذا كانت الولايات المتحدة هي مع بقاء النظام بعد دعوتها في اسطنبول اخيرا حيث كانت تشارك في اجتماع مجموعة الاتصال الدولية حول ليبيا المعارضة السورية الى ايجاد جوامع مشاركة في الحوار مع النظام. وهو امر لم تلبث ان حاولت توضيحه بعدما اثار ضجة في وسائل الاعلام الاميركي ايضا.
تقول مصادر اميركية رفيعة ان لا التباس حقيقيا يفترض ان يكون في المواقف الاميركية المعلنة لانه يجب قراءة ما يعلن بدقة وفي ما ينطوي عليه الكلام في ظل استمرار تطلع كثر الى وضوح في التعبير الاميركي من النظام في سوريا يماثل الوضوح الذي اعتمد حيال النظام في مصر وتونس. ويقول متابعون للمواقف الاميركية ان التفسيرات التي تعطى لهذه الاخيرة تبنى غالبا على اعتقاد ان هناك صفقة ما مع النظام السوري مبنية على المخاوف الاميركية على امن اسرائيل في المنطقة وضرورة ابتعاد سوريا عن ايران كشرط ضروري لبقاء النظام بدليل عدم ممارسة ضغوط كافية من اجل قرار في مجلس الامن يدين ما يجري في سوريا و "مقايضة" روسيا على ذلك ان هناك محاولات او مساعي لابرام صفقة مع ايران حول ما يجري في المنطقة.
ويوضع ذلك تحت العنوان الاكثر رواجا في العالم العربي عن وجود مؤامرات في اي شيء يحصل. وهذه الاعتقادات لا تتسم بالصحة ولا بالصدقية وفقا لهؤلاء اذ ان هناك عاملين اساسيين يرسمان أفق التعامل الاميركي الراهن مع سوريا والذي تلاقيه المواقف الاقليمية والدولية في شكل او في آخر: احدهما ان هناك قلقا حقيقيا وخوفا من ان تنزلق المرحلة الانتقالية الضرورية في سوريا في ظروف معينة الى حرب داخلية طائفية لأسباب يحرض عليها بعض او يتسبب بها بعض آخر. وآخر ما تود الادارة الاميركية رؤيته هناك ازمة مفلتة لا يمكن ضبطها بسهولة وخصوصا في ظل ما يحصل في المنطقة على رغم ان الادارة تتعرض لضغوط داخلية سياسية واعلامية من اجل مواقف او لغة اكثر حزما ازاء النظام السوري. وهو ما يفسر الاندفاعات الكلامية احيانا التي تحفزها من جهة احداث دموية مستجدة في سوريا اوضغط سياسي واعلامي اميركي في اتجاه اعتماد مواقف اكثر تشددا. ويقول العارفون ان وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر كان يوصي لدى مغادرته في اجازة بالتنبه الى عدم الذهاب الى ازمة جديدة في غيابه. والولايات المتحدة لا تتحمل راهنا ازمة غير مضبوطة في سوريا.
والامر الاخر في راي هؤلاء هو ان هناك انقساما اميركيا ايضا حول الموقع القيادي للولايات المتحدة في هذا الموضوع وما اذا كان يجب ان تكون في المقدمة في ظل اقتناع لدى كثر بعدم وجوب ان تضطلع واشنطن بالدور القيادي في موضوع سوريا خشية ان تضر بقضية المعارضين السوريين وامكان استفادة النظام من اجل وصم المعارضين بالعمالة لاميركا وبناء قضية على هذا الاساس على غرار ما حصل لدى زيارة السفير الاميركي روبرت فورد لحماه. وهذا الامر يفسر بحسب هؤلاء عدم لقاء وزيرة الخارجية الاميركية وفدا من المعارضة السورية التي كانت تعقد مؤتمرها في اسطنبول قبل عشرة ايام بالتزامن مع انعقاد مجموعة الاتصال حول ليبيا. ويقول هؤلاء ان الجميع يعي هذا الموقف ما يقارب شهرين او اكثر ربما بدليل ترك الامور لتركيا من الاساس للتعامل مع الوضع السوري بالتنسيق مع الدول الغربية ومع الولايات المتحدة علما ان هؤلاء يذكرون ان الادارة الاميركية السابقة للرئيس جورج بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس كانت حساسة حيال الاضطلاع بدور مباشر.
ولكن حين يحكى عن مرحلة انتقالية بقيادة الرئيس السوري بشار الاسد وهو ما يردده الجميع بمن فيهم من أعرب عن اعتقاده ان الاسد فقد شرعيته او هو على طريق فقدها، فانما يعني هذا بناء على افق يقوم الى جانب اتخاذ الاجراءات التي يجب اتخاذها لاتاحة المجال امام حوار بين النظام والمعارضين اي وقف أعمال العنف واطلاق المعتقلين السياسيين ومحاسبة الاجهزة الامنية المسؤولة عما يحصل من اعتداءات وما الى ذلك، وفق عاملين: الاول ان النظام الحالي في سوريا لم يعد قابلا ولا صالحا او قادرا على الاستمرار. وكلام الاسد نفسه او المسؤولين الى جانبه كنائبه فاروق الشرع او وزير خارجيته وليد المعلم على نظام ديموقراطي متعدد والتلويح بالغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على قيادة حزب البعث لسوريا انما يشي باعتراف بان النظام يجب ان يتغير ولو لم يقل الرئيس السوري ذلك علنا من دون ان يعني انتهاء النظام. وهنا يدخل العامل الاخر من حيث ان النظرة الى سوريا غالبا ما احدثت تماهيا بين النظام وعائلة الاسد الى حد ان القول باسقاط النظام يفيد ضمنيا بسقوط الاسد في حين لا يرى الذين يطالبون الرئيس السوري برعاية المرحلة الانتقالية ذلك. اذ عليه ما دام ذلك متاحا امامه وفق ما يصر عليه الخارج رعاية تغييرات اصلاحية في سوريا مع بقائه حتى انتهاء ولايته الرئاسية. ولكن المخاوف ان يؤدي اسلوب المواجهة الذي يعتمده النظام الى اطاحة هذه الفكرة التي لا يزال يفضلها الغرب.
اما موضوع القرار في مجلس الامن لادانة سوريا، فانه كان ليكتسب اهميته الرمزية والمعنوية مما يعنيه للنظام السوري تحديدا وحرصه على ابعاد نفسه عن اي ادانة دولية تطاوله. لكن الواقع ان هذا الامر لم يعد يبدو مهما الى حد كبير في ضوء العقوبات والمواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ازاء النظام السوري فضلا عن ان الدينامية على الارض في سوريا تخطت وفق ما يعتقد هؤلاء المتابعون الحاجة الى اي ادانة دولية كانت ستقتصر على ذلك من دون اي ترجمة عملية في حال اتيح للقرار ان يصدر في ضوء الموقف الروسي والصيني، كما حصل بالنسبة الى ليبيا. وهذه الدينامية تكتسب اهمية مضاعفة كونها تحصل بفعل العوامل الداخلية فقط وردود الفعل الشعبية على اداء النظام الى درجة تفاجىء الخارج الدولي والاقليمي.