ان لم يكن الخميس، فالاثنين. تماما كإعلان اللوتو اللبناني، او يشبهه. فطلب (والاصح أمر) "حزب الله" تعيين العميد عباس ابرهيم مديراً عاماً للأمن العام لم يلبّ الخميس فلبّي أمس الاثنين.
لا اعتراض على الرجل، لكن خلاصة "المناوشات" السياسية التي رافقت التعيين، ولا سيما داخل 8 آذار، وبين جماعتها والآخرين، وخصوصا المسيحيين منهم، تفرز استنتاجات "وطنية".
فما لم يعلنه خلاف آل بيت الحكومة على اسم المدير الجديد، هو ان الحزب القائد أكد مرة جديدة انه فتح سجلاً للوطنية على حسابه، ووفق معاييره. فلا وطني إلا من صفوفه، وحتى بمعنى طائفي ومذهبي محض وواضح. صحيح ان الجنرال المتقاعد حليف وشريك في "التفاهم" الشهير، ويتبنى كل ما يقوم به "الحاكم بأمر الولي الفقيه"، أو ما يفكر فيه، حتى من دون أن يعرف التفاصيل، لكنه ليس بالنسبة اليه كامرأة القيصر، وتالياً لا يمكن ائتمانه على الأمن العام اللبناني، أو ائتمان من يقترحه.
قد يكون من حق الموارنة عموماً أن يطالبوا باستعادة "المنصب" وفق التوزيع الطائفي لمراكز الفئة الاولى في الإدارة العامة، وتوازنها، ومن حق رئيس الجمهورية أن يعتبره، كقيادة الجيش، جزءاً من مسؤوليته المباشرة عن سلامة أمن الوطن وحمايته، لكن من حق اللبنانيين، أن يروا في هذا الإستبسال في التمسك بشيعية المنصب، تفسيراً هو أن "الحاكم" يوجّه أكثر من رسالة:
– الأولى أنه لا يأتمن أحدا من طائفته السياسية (8 آذار) بل أهل طائفته المذهبية وحدهم.
– والثانية، انه لا يأتمن على ما يسميه "خط المقاومة" إلا من يسميه هو.
– أما الثالثة، فهي أنه يريد أن يجعل للطائفة وظيفة محددة في التركيبة اللبنانية هي المقاومة والأمن. أما وظائف الآخرين وادوارهم، قوى وطوائف، خصوماً وحلفاء، فتتحدد استناداً الى هذا "المدماك".
لكن "الايجابيات" لا يعادلها، طردا، سوى السلبيات التي جناها شريكه "المتفاهم". فكل لهاثه وراء استرجاع ما كان يسميه حقوق المسيحيين، بدا كسحابة صيف، والتباكي على صلاحيات رئيس الجمهورية ظهر كهذيان محرور، كأنما العزف على هذين الوترين ليس إلا للتنغيص على "سامع" واحد هو الرئيس سعد الحريري الذي لا ينفكّ يصر على المناصفة والاستعداد للنقاش بما يريح المسيحيين. "المشكلة ليست في الطائفة، بل في الاتجاه. أي أن يكون (المدير) معنا في الاتجاه نفسه". هذا ما قاله أحد النواب من حلفاء الحزب يوم الخميس. فهل افتقد الحزب بين حلفائه المسيحيين من هو من "الاتجاه" نفسه؟
مبتدأ اللاطائفية الاعتراف بالدولة وبناؤها على الاقرار بوطنية الآخر. فهل داخل 8 آذار أكثر من مفهوم واحد للوطنية؟ وأي دولة يريد أن يبنيها هذا الحزب التي لا ينفك يهدمها بيده ويواليها، أحيانا، بلسانه؟