#adsense

الحزب الافتراضي!

حجم الخط

تتكامل القصة مع الحزب المسلح في الشكل والمضمون. يُتمم خطابه العلني وأداءه المكشوف مضمون مشروعه، ويصعّب على اللبنانيين في الإجمال، وأهل بيئته منهم، حياتهم، حاضرهم ومستقبلهم، كما فعل مع ماضيهم. ويدفعهم في كل حين، الى التبرم الأكيد من الأكلاف والأثمان، ما سلف منها، وما قد يأتي لاحقاً!

أداء مستحيل، لا يتناسب ولا يتوافق مع أصحابه وثقل أدواتهم الحربية والحزبية والدينية! كما لا يتوافق (مبدئياً) مع ألف باء الشغل السياسي في بيئة محلية متنوعة متعددة، وفي محيط إقليمي إسرائيلي معادٍ في جانب منه، وداعم سوري مُلتبس في جانب آخر.

وقيل سابقاً ويُقال راهناً، إن "حزب الله" وافد حديث الى العمل السياسي اللبناني، وأخطاؤه مرادفة لحداثته. يتصرف برعونة المبتدئين الذين يغطّون بتلك الرعونة الأخطاء والخطايا. ويحاولون لعب دور العارف العالم والمخطط فيقعون في شر المحاولة. ينطّون من كارثة الى كارثة ثم يدمغون كل ذلك بشعار المقاومة الغاسل الشاطف، في عرفهم، لكل شطط!

من قصة التمديد وبلاياها وشحتارها الى النكبات الدموية التي تلت. الى حرب تموز الإلهية المدد. الى غزوات وحصارات الشوارع والساحات والسرايات. الى نوازل أيار المجيدات في بيروت والجبل والتاريخ والنفوس والقلوب. الى الانقلاب الأخير وحكومته. مروراً، على حافة كل ذلك، بل في قلبه، بكيفية التعاطي مع المحكمة، وقبلها مع لجنة التحقيق وصولاً الى يومنا وراهننا: أثقال من الخطايا، كل واحدة منها، توازي أطناناً من أخطاء الآخرين، وجلّها، كما يعرف أهل الحزب أكثر من كل الناس، ما كانت إلا ردّات فعل سريعة على أفعال ممانعة في الأصل!

حزب افتراضي. كلما اقترب من وقائع الدنيا خلّف وراءه كوارث أكيدة، هي الناتج الطبيعي للفارق بين الوهم والحقيقة: يفترض الخصم عدواً. والباحث عن حقه متآمراً. والمدافع عن نفسه مرتبطاً. والمحاجج بالتي هي أحسن (أو أسوأ) مرتزقاً. والمتواضع في انتصاره منكسراً. ثم يرى اليد التي تمتد نحوه لملاقاته، خنجراً كيدياً لا بد من طعجه وكسره!

تتراكم في العناوين الرئيسية، كما في التفاصيل على حد سواء، تلك السلوكيات. ولا يعرف التمييز بين الثانوي والرئيسي، والتكتي والاستراتيجي، والعابر والدائم، والعام والخاص، والسياسي والشخصي.. يفترض حزب الافتراض، ان الدنيا فسطاطان، والعالم عالمان، والناس ناسان، ونقطة انتهى النقاش: فسطاط المقاومة وفسطاط المساومة. وعالم مقاوم مؤيد لا ضرورة للبحث في تفاصيله، وعالم مُعاد ولا تمايزات فيه. ناس هم أشرف الناس لانهم معه وهو معهم، وناس هم أرذل الناس لأنه صنّفهم في الضفة الأخرى، بغضّ النظر عما إذا كان هؤلاء الآخرون أول المقاومين وأرباب القضية؟!

في كل نقطة مفصلية، دفع هو ودفع لبنان واللبنانيون أثماناً باهظة لتلك السياسة الافتراضية. من التمديد الى اليوم ولم ينتهِ الحساب بعد..

وفي التفاصيل يتمدد الشطط والخبل ليأخذ الكبيرة بجريرة الصغيرة: يحمل مشروعاً إسلامياً عاماً وينطلق من أحادية مذهبية! يحاذر الفتنة ويفعل كل شيء للوصول إليها! يبني لمقاتلة إسرائيل و"يفرّخ" في جبهته الخلفية "أعداء" بالجملة وغصباً عنهم! يتبنى نصّاً سياسياً ودينياً كبيراً وخطيراً، ويترك لشتّامين سوقيين مهمة التسويق له والدفاع عنه! يتغنى بمصطلحات العزّة والكرامة، وينزلق الى متاهات الافتراء والسب والتلفيق ولا يسأل!

أسير افتراضاته، وحساباته وممارساته ومشروعه المستحيل. يأخذ لبنان واللبنانيين الى زوايا ظالمة، "مفترضاً" انهم قبله ما دفعوا شيئاً من دمائهم وأرزاقهم ووطنهم على مدى أربعين عاماً، وأنه آن وقت الدفع!

وافد حديث الى عالم قديم. خوفنا منه وخوفنا عليه، وهو الذي غابت عن بصيرته أحكام السلف الصالح. وفي أولها ان العدل هو الأساس، وان الحق هو الأعلى، وان الدنيا لمن اعتدل فيها وترك مهام ربها له وحده.. يا الله!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل