#adsense

لاسا: التحدّي الأوّل أمام البطريرك الماروني

حجم الخط

لا تزال تلك اللحظات السعيدة في البال، يوم انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركا جديدا على إنطاكية وسائر المشرق. يوم تحوّل الصرح البطريركي الى محطّ أنظار ومحجّ، لرجال السياسة على مختلف انتماءاتهم كما أبناء الطائفة.

غمر الفرح المسيحيين وكذلك الأمل، فالخلف فيه نبض السلف، والمشعل الذي حمله البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في الزمن الصعب، لن ينطفئ.

عوّل المسيحيون على دور البطريرك الجديد، ورأوا فيه الراعي الصالح للخراف المشتتة والمتباعدة، وأتى اللقاء الرباعي الشهير الفريد -وربما الوحيد- بين الأقطاب الموارنة الاربعة، وما تخلّله من مصافحة تاريخية بين رئيس حزب القوات اللبنانية ورئيس تيار المردة، وما تبعه من لقاء ماروني موسّع لم يشهده تاريخ لبنان الحديث كرّس حق الاختلاف بالرأي من دون الخلاف، ليزيد الأمل وليعزز ثقة المسيحيين عموماً، والموارنة خصوصا، برَاعيهم الجديد.

متى يهزّ البطريرك عصاه؟
شكّل تعيين مدير عامّ جديد للأمن العام حدثا هامّا لدى المسيحيين والموارنة الذين رأوا فيه فرصة سانحة لاستعادة ما فقدوه قسراً في زمن الوصاية، فاتجهت الأنظار الى رأس الكنيسة المارونية غير المكبّل بالمصالح الشخصية أو الاعتبارات السياسية.

فسيّد الصرح يتمتع بعلاقة شخصية مميزة مع رئيس الجمهورية عمرها عشرات السنين، وهو حافظ على علاقته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وكان أوّل من رحّب بتشكيل الحكومة الجديدة وطالب بمَنحها فترة سماح قبل انتقادها، ومعروف أنه على علاقة متينة بزعيم التيار الوطني الحر، واستطرادا مع وزرائه العشرة.

إلاّ أن هذه "العلاقات المميزة"، لم تمكّن البطريرك مار بشارة بطرس الراعي من استثمارها لاستعادة المنصب الى طائفته، ليستغرب البعض كيف أنه لم يعّبر حتى عن عدم رضاه أو يمهّد في أي إطلالة من إطلالاته المكثفة للمطالبة بعودة المنصب للطائفة المارونية. والمفارقة أن بعض السياسيين في فريق الأكثرية، ووفق مصادر وزارية بارزة، كان يعوّل على موقف قوي من البطريرك الماروني، خلال الفترة الممتدة بين جلسة التجديد لحاكم مصرف لبنان والأخرى التي عقدت في السراي لتعيين المدير العام الجديد للأمن العام، يعيد خلط الاوراق ويشكّل ضغطاً على حزب الله لكي يبدّل رأيه، لا سيما أن البطريرك الراعي، ووفق المعلومات، تبلّغ من رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس تكتل التغيير والإصلاح، ظروف تعيين العميد عباس ابراهيم، وأن الرئيس سليمان اضطرّ الى الموافقة بعد ما تدخّل الجانب السوري بتَمنّ يُشبه الأمر، نقله اليه مستشاره ناجي البستاني، فيما تكفّل حزب الله، ومن دون كثير جهد، بإقناع الجنرال.

ومرّ التعيين بهدوء، ومن دون أي إشارة، لا من قريب أو بعيد، من قبل رأس الكنيسة المارونية، حتى أن القرار تزامن مع اجتماع اللجنة في بكركي في رئاسة البطريرك للبحث في خَلل الحضور المسيحي الحاصل في الإدارات العامة !

لم تكن صدمة بقاء القديم على قدمه في الأمن العام قد مَرّت بعد، حتى حدث ما حدث في بلدة لاسا. فبعد التعدّي الذي حصل من قبل "الأهالي" على الأب شمعون عون ومحامي المطرانية، أثناء قيامهما بعملية المسح لأملاك تعود لمطرانية جونية للموارنة منذ العام 1939، وفيها أحكام قضائية صادرة لصالح المطرانية، وبعد الإشكال بين "الأهالي" وفريق محطة "إم تي في" أثناء قيامهم بتحقيق عن التعديات على الأراضي في لاسا والمنطقة، انتظر كثيرون موقف بكركي، المعنية المباشرة بهذه القضية، توقّع مراقبون أن يطالب البطريرك الماروني الدولة اللبنانية وأجهزتها بتطبيق القانون، وتنفيذ الأحكام، وتسريع المَسح، على أن يترافق ذلك مع وقف الاعتداءات على الأملاك المسيحية ووقف عمليات البناء. إلّا أن سيّد الصرح، الذي انتقل من الديمان الى بكركي، ليلتقي ممثّل حزب الله غالب أبو زينب والممثل المحلّي للحزب في البلدة ونوّاب المنطقة وفعاليات أمنية، اختار النقاش لا الحسم… وبدا وكأنّ الأمور تتجه الى التسوية والتأجيل، في انتظار موافقة المعتدي ومن يَستقوي به، فرحّل المسح الى ما بعد شهرين… وتكرّس في لاسا الجُبَيلية منطق الاستقواء بالسلاح على منطق الدولة.

أمّا مهلة الشهرين التي حدّدها لقاء بكركي، فتركت لدى المجتمع المسيحي تساؤلات عديدة، وبات في حال ترقّب لما ستكون عليه النهاية.

هل يعيد البطريرك الماروني الحق لأصحابه، بعدما فشل الوزراء العشرة ونوابهم في ذلك، وتغلّب منطق الدولة على الدويلة؟ أم أن القصة سوف تنتهي باللفلفة على الطريقة اللبنانية؟

إنه الاختبار الأوّل لبطريرك الموارنة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل