هل ينتهز "حزب الله" ذكرى حرب تموز للمبادرة بترميم الوحدة الوطنية التي تسبب بتمزيقها؟
الضمانة الفعلية للحفاظ على منجزات التحرير وتحصين لبنان في وجه كل العواصف
<على <حزب الله> المبادرة بمناسبة ذكرى <حرب تموز> لترميم الوحدة الوطنية الداخلية التي مزقتها ممارساته واستقواؤه بالسلاح>
في مثل هذه الايام من كل عام يحتفل <حزب الله> بما يسميه <الانتصار> الذي حققه على العدو الاسرائيلي في حرب تموز عام 2006، فيما الواقع الميداني القائم على الارض يناقض ادعاءات الحزب الذي يحاول من خلال تنظيم مثل هذه الاحتفالات التغطية عن مسؤوليته المباشرة بالتسبب باندلاع هذه الحرب التي اسفرت عن نتائج كارثية، اصابت لبنان واللبنانيين بافدح الخسائر البشرية والمادية والمعنوية والتي ما تزال مفاعيلها السلبية تعصف بالواقع السياسي اللبناني، وتنذر بتداعيات خطيرة على مستقبل لبنان كوطن لجميع بنيه وعلى علاقات اللبنانيين بعضهم مع بعض بسبب تمسك الحزب بسلاحه خارج اطار الشرعية اللبنانية وعلى حساب لبنان الدولة·
فأولى نتائج حرب تموز المشؤومة هذه، تحول سلاح <حزب الله> من خط المواجهة مع اسرائيل الى الداخل اللبناني والزج به في الصراع السياسي الداخلي للهيمنة على السلطة والاستئثار بالواقع السياسي الداخلي كما حصل في محطات دموية مشهودة من خلال احتلال وسط بيروت بقوة هذا السلاح غير الشرعي ومروراً باجتياح العاصمة بيروت في ايار 2007، والمشاركة في الاشتباكات المسلحة في برج ابي حيدر الصيف الماضي وانتهاء بظاهرة انتشار اصحاب القمصان السود للتأثير على بعض القوى السياسية المترددة في الانضمام الى التحالف السوري الايراني لمصادرة نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة والاستئثار بالواقع السياسي بقوة هذا السلاح الذي فقد وظيفته بعد صدور القرار 1701 وتمركز قوات <اليونيفل> في الجنوب بعد حرب تموز مباشرة، حيث يلاحظ بوضوح عدم اقدام الحزب على القيام بأي عمل عسكري او مواجهة من اي شكل كان مع العدو الاسرائيلي منذ ذلك التاريخ·
اما النتيجة الثانية، فهي التكلفة الباهظة التي تسببت بها الحرب وكلفت اللبنانيين آلاف الشهداء والجرحى والمعوقين، وتهدم العديد من البنى التحتية الاساسية والمرافق الحيوية والضرورية في مسيرة عيش الناس، كالجسور ومحطات الكهرباء وتدمير عشرات الآلاف من المساكن التي لم يتم اعادة بناء قسم كبير منها حتى الآن، في حين لم يتعافَ الاقتصاد اللبناني من الخسائر الكبيرة التي يتكبدها من جراء الحرب بعد، وهو ما يتجاهله الحزب وكأنه لم يحدث على الاطلاق، في حين يتحمل كل اللبنانيين دفع تكلفة الحرب التي لم يكن لهم شرف المشاركة في قرارها او الموافقة عليها لانها كما يعلم الجميع، كانت لمصالح اقليمية معروفة لكل من ايران وسوريا على حساب لبنان ومصالح شعبه كما حصل في مرات عديدة من قبل·
وتبقى النتيجة الثالثة والاهم وهي التداعيات الخطيرة التي تسببت بها الحرب المشؤومة على وحدة اللبنانيين الوطنية وأدت الى ضرب هذه الوحدة وتحقيق الانقسام الحاد بين كل الاطراف والفئات اللبنانية سياسياً وشعبياً على حدّ سواء، كما هو حاصل في الوقت الحاضر بسبب استمرار الخلاف القائم على تفرد <حزب الله> بقرار السلم والحرب ومحاولاته الملتوية للتفلت من أية ضوابط قانونية أو شرعية في تحديد وجهة استعمال سلاحه، أكان في الداخل لتحقيق الغلبة السياسية في إطار زج لبنان في صراع المحاور الدائر حالياً بين سوريا وإيران من جهة، والعرب وتحديداً دول الخليج العربية، أو في اي مواجهة محتملة مع إسرائيل لتحسين مستوى التفاوض الإيراني في الملف النووي الايراني للسيطرة على المنطقة العربية، أو في محاولات إعادة انعاش النظام السوري المتهالك بفعل اتساع حجم الانتفاضة الشعبية السورية ضده·
فانقسام اللبنانيين وضرب وحدتهم الداخلية وهو هدف إسرائيلي قديم جديد، لم تفلح إسرائيل في تحقيقه من خلاله اعتداءاتها المتواصلة على لبنان واحتلالها لجزء كبير منه في العام 1982 وصولاً لاحتلال العاصمة بيروت، ولم تستطع تحقيقه كذلك من خلال تأجيجها للحرب الأهلية التي ضربت لبنان في سبعينات القرن الماضي بالرغم من الإمكانات المالية الضخمة التي استعملتها، في حين أن هذا الهدف بدأ يتحقق حالياً بفعل استعمال سلاح <حزب الله> في الصراع السياسي الداخلي وتحوله عن وجهته الأساسية في الصراع مع إسرائيل واستمرار محاولات بقائه أسير المخططات والمصالح السورية والإيرانية على حدّ سواء·
فإذا أراد <حزب الله> الاحتفال بالانتصار الذي حققه في حرب تموز، فعليه أن يتعاطى مع ما حدث بواقعية واسلوب أكثر تقرباً وتواضعاً مع سائر اللبنانيين، ويشرح لهم حقيقة ما حصل في حرب تموز وما أدت إليه بالفعل، لا أن يتهرب من مسؤوليته في إشعال الحرب وأن يقفز فوق خسائرها ويحاول تحميل الأطراف اللبنانيين المناوئين له نتائجها ويتهمهم بشتى التهم الباطلة والمزيفة، لأن اللبنانيين أو معظمهم يعرف خلفيات الحرب وأسبابها الحقيقية·
فعلى الحزب أن يُبادر في مناسبة ذكرى هذه الحرب المشؤومة وأن يسعى لترميم الوحدة الوطنية الداخلية التي تسببت ممارساته واستقواؤه بالسلاح في تمزيقها إلى الحد الذي وصلت إليه حالياً، لأن اقدامه على مثل هذه الخطوة، سيشكل الضمانة الفعلية للحفاظ على منجزاته في مقاومة إسرائيل وتحرير لبنان ومنع كل الاستهدافات التي يتخوف منها ويحصّن لبنان كدولة ووطن في مواجهة كل المخاطر والتحديات التي تعصف به، أما إذا استمر الحزب في النهج المتعالي والمستقوي على كل اللبنانيين، فان كل ما يدّعيه من <انتصارات> ستكون على الدولة والشعب اللبناني كما هو حاصل حالياً وليس على اسرائيل عدوة الجميع·