كإنسان؛ كمسلمة؛ أحرص على شفافية ما في استعراض «مجزرة النروج» بتجرّد بعيد عن الحساسيّة أو نزعة المشاعر الدينيّة، فما حدث في النروج يستحقّ قراءة متأنيّة في كلّ ما سبق المجزرة، في أوروبا يمين متطرف رفع الصوت عالياً دائماً ضدّ المهاجرين الذين يشكلون «مناطق مغلقة» في بعض مدن أوروبا، ولطالما كان الأوروبيون من غير اليمين المتطرف ضدّ سلوك المتطرف، وسيظل الدليل الأكبر على هذا الخروج الكثيف للفرنسيين إلى صناديق الإقتراع يوم شعروا أن اليمين المتطرف قد يصل إلى السلطة فواجهوه بإعادة انتخاب الرئيس جاك شيراك لولاية ثانية، ولكن وفي نفس الوقت ثمّة عقلية غير معلنة عند كثير من المتشددين الإسلاميين تسعى إلى «هجرة» إسلاميّة بعضها «منظّم» وبوعي وتصميم وطول أناة قد يُغيّر الديموغرافيا في أوروبا!!
يُصاب بالذهول من يطّلع ما سمّي «ميثاق» سفاح أوسلو 1500 صفحة هاجم فيها الإسلام وعنونها «2083 – إعلان أوروبي للاستقلال»، وبصرف النظر عن مبلغ الإجرام الذي بلغه سفاح أوسلو عندما يقول: «من المستحسن أن تقتل عدداً كبيراً من البشر وإلا فهناك خطر من أن تخسر التأثير الإيديولوجي المطلوب من الضربة»، هذا التفكير هو نفسه الذي صنع أحداث 11 أيلول في أميركا وقاد فيما بعد إلى تدمير الكثير في العالم تحت عنوان «القضاء على الإرهاب».
ثمّة سؤال يطرح نفسه بشدّة، إذ يستوقفك تفكير «إرهابي أوسلو» فهو يقول: «قبل البدء بحملتنا الصليبية» إلا أنّ إرهابه للمفارقة يضرب في قلب أوروبا، كأنّها «القاعدة» إنما في نسخة أوروبيّة، ألم يخرج من أميركا أميركيون نساء ورجال انضموا إلى القاعدة، وإذا ما وجدنا أن انزلاق أميركا إلى العنف بعد أحداث 11 أيلول أعطى للإرهاب زخماً وأثار حوله جدلاً بعد زلّة لسان جورج بوش، فهل هناك من يسعى لتوريط أوروبا البعيدة حتى الآن عن صدام مع العالم الإسلامي، وتتعاطى مع قضايا المهاجرين إليها تحت عنوانين فقط: «شرعي وغير شرعي»؟!
ألا يُخطئ المسلمون سواء النازحين باتجاه أوروبا سواءً من المغرب أو المشرق العربي عندما يتقوقعون على مجتمعات متشددة منغلقة على نفسها تريد فرض أعرافها على دولِ لم تجد خلاصها إلا في فصل الدين عن الدولة، فإذا كانت أوروبا المسيحيّة كفّت يد السلطة الدينية الكنسيّة فيها عن شؤون الدولة وإدارتها، أفيظن بعض المتشددين أنهم سيفرضون على أوروبا دينهم، والمحزن أنه تحت عنوان «حرّية ممارسة الشعائر الدينية» يصبح الإسلام مختصراً بالصراع على النقاب أو الحجاب؟! في وقت «القاعدة» وأسامة بن لادن تكفلا فيه بتهشيم صورة المسلمين ونقلها إلى مرحلة بات تقرن فيها بالإرهاب!!
يهاجم بريفيك سفاح أوسلو في «ميثاقه» ما وصفه «الاستعمار الإسلامي وأسلمة أوروبا الغربية… لن يمكننا دحر الأسلمة ومنع الاستعمار الإسلامي لأوروبا الغربية إلا إذا أزلنا أولًا كل العقائد السياسية التي تنادي بها الماركسية والحركات الداعية إلى تعدد الحضارات… لا أكره المسلمين أبداً، واعترف أن هناك في أوروبا مسلمون عظماء، وأنا شخصيا كان لي أصدقاء من المسلمين ما زالت أكن لبعضهم الاحترام. ولكن هذا لا يعني أن علي القبول بوجود إسلامي في أوروبا، علينا تسفير كل المسلمين الذين لا ينصهرون بشكل تام في المجتمع الأوروبي إلى بلدانهم الأصلية بحلول عام 2020 في حال استيلائنا على السلطة»!!
الجزء المأساوي في هذا الكلام، هو أنه في وجه من وجوهه حقيقي، لماذا يسعى المتشددون في طلب الهجرة وأحياناً الدخول بشكل غير شرعي إلى الدول الأوروبيّة، ثمّ يتصرّفون على أساس أنهم في بلاد كافرة منحلّة!! كمسلمة، هذا السؤال طرحته على نفسي دائماً ولم أجد له جواباً، سفاح أوسلو أيضاً يريد أن يقتل «مليوناً في حريق كبير»، الأمر أشبه بمحرقة نازية، ومع هذا فأسئلته «حقيقيّة ومشروعة» لأنّها تشكّل هاجساً حقيقياً في أوروبا يخشاه حتى مسلمون أوروبيون من أصول عربية، تساؤل بريفيك عن أنّ «الصراع الديموقراطي ضد أسلمة أوروبا والمشروع الأوروبي متعدد الحضارات هو صراع خاسر، فقد قطع هذا المشروع شوطاً طويلاً، وسنكون نحن الأوروبيون أقلية في هذه القارة في غضون 50 إلى سبعين عاماً، عندما تيقنت بذلك، قررت استكشاف بدائل أخرى للمعارضة، فالاحتجاج يعني انك لا توافق، ولكن المقاومة تعني انك مصمم على إيقاف هذا النهج، عند ذاك قررت الانضمام إلى حركة المقاومة»، للمفارقة الإرهاب أيضاً يتسمّى باسم المقاومة»!!
السؤال المؤرق الآن، من هي هذه الـ»مجموعة صغيرة تهدف إلى السيطرة السياسية والعسكرية على بلدان أوروبا الغربية لفرض أجندة سياسية وثقافية محافظة»، والتي تعلن: «انتهى زمن الحوار وأتى زمن المقاومة المسلحة» والتي تتحدث عن إحياء منظمة «فرسان الهيكل»؟! وفي زمن أوروبي ليس فيه «ريكاردوس قلب الأسد»، ولا زمن إسلامي فيه «صلاح الدين الأيوبي»، في أجواء أوروبا تعبق رائحة «يهوديّة» قد تقود إلى دمار حضارتين لم تتسامحا إلا بصعوبة شديدة وفي ردهات ضيّقة!