من المؤكد أن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله التقى أو اتصل بالأحياء من "القديسين"الأربعة المشتبه بهم حتى الأن بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويُفترض بحسب منطق "حزب الله" أن يكون السيد أشاد بهم وطمأنهم إلى وضعهم. كما يُفترض أن يكون السيد قد سألهم عما إذا كانوا شاركوا في التخطيط والتنفيذ باغتيال الرئيس الحريري، علماً أن جواب هؤلاء على هذا السؤال يبقى ملك الأمين العام لـ"حزب الله" ولا مجال للتأكد من صحته إلا أمام المحكمة الخاصة بلبنان التي ستنظر في أدلة القرار الإتهامي.
لا يعيش مصطفى بدر الدين ورفاقه هاجس القبض عليهم عاجلاً، ولكنهم يدركون بالتأكيد أنهم مطاردون في كل أنحاء العالم باستثناء دول ثلاث وهي لبنان وإيران وسوريا. فهذه الدول الثلاث تشكل بالنسبة لهؤلاء ملجأً يعتقدونه حصيناً لدرجة معينة مع أن التجارب في إيران وسوريا تظهر عكس ذلك، فعماد مغنية قتل في دمشق وثلاثة علماء نوويين إيرانيين اغتيلوا في طهران.
في لبنان يدرك "حزب الله" أن باستطاعته حماية هؤلاء المتهمين في شكل أفعل، فهو وإلى جانب أجهزته الأمنية يسيطر على أجهزة أمنية لبنانية ويشل قدرة أجهزة أخرى تحت عنوان تحريم المس بمقدسات المقاومة. وهو بذلك يعدم أي إمكانية لتحرك أمني جدي باتجاه الإستقصاء عن هؤلاء ومحاولة القبض عليهم. كما انه يستطيع من خلال هذه الأجهزة أن يؤمن للمشتبه بهم تغطية رسمية تسمح لهم بالتحرك في لبنان وعبر حدوده البرية ومطاره خصوصاً ان هؤلاء غير معروفين بالشكل، وللحزب قدرة تخوله أن يحصل لهم على هويات شرعية لبنانية وعلى جوزات سفر لبنانية رسمية بأسماء مختلفة. فمصطفى بدر الدين مثلاً كان يتنقل تحت إسم الياس صعب، ويوسف منصور كان يعمل في خلية مصر تحت اسم سامي شهاب وعاد إلى لبنان بعد الثورة المصرية من دون علم السلطات اللبنانية.
إزاء هذه الصورة الجزئية لواقع "حزب الله" المتحكم بلبنان وسلطته، يُمكن الجزم بأن ما قامت به السلطات اللبنانية للبحث عن المشتبه بهم لا يعدو كونه مسرحية بإخراج رديء إذ ان النتيجة كانت معروفة سلفاً، وقد قالها "حزب الله" منذ اليوم الأول على لسان أمينه العام بأن هؤلاء لن يسلموا. والمضحك المبكي أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورغم سماعه لهذا الكلام ظل يلعب دوره في المسرحية في شكل كامل ويوهم اللبنانيين والمجتمع الدولي أن السلطات المعنية تقوم بواجبها، علماً أنه في قرارة نفسه كان لا يصدق حتى كلامه لأنه يدرك ويصدق الحقيقة المرة التي قالها نصرالله وأعاد تأكيدها كل مسؤولي "حزب الله" بمن فيهم وزراء الحزب في حكومة ميقاتي وهم يجلسون على بعد أمتار منه في مجلس الوزراء.