لافتة النظرية القائلة إن الحوار في حدّ ذاته "يمتص" التوتر الطائفي في لبنان.. تماماً مثلما قيل بعد انقلاب القمصان السود ان القبول بلعب دور البارافان أو الطربوش إنما كان لأهداف كبيرة هي أيضاً وأد الفتنة التي كانت تطلّ برأسها.. ثم عادت الآن ونامت في جُحرها؟!
لا بأس بذلك الادعاء إذا كان يوصل فعلاً الى نتيجة ما… أي نتيجة مهما كانت متواضعة، لأن الجذر الأول للحوار يشتمل على كلام كبير وجميل ونبيل من نوع أن ألف ألف ساعة حكي ونقاش ولو من دون نتيجة، تظلّ أفضل من دقائق مواجهة بالحديد والنار والسكاكين والسواطير، وما دخل على ذلك حديثاً من وسائل وأساليب وآليات دموية تستهدف الناس بالجملة ولا تهتم.
غير ان الكلام الحلو والجميل لا يلغي الأفعال المالحة والمريرة والبشعة. كما لا يشطب تراكمات النفوس وهيجانها. خصوصاً إذا كانت تلك الأفعال تتوالى، وإذا كانت تلك التراكمات تُدعّم على مدار الساعات بتصريحات من نوع تلك التي تضع القتلة في مصاف القديسين!
لا مقدّمات ذلك الحوار متوافرة ولا تتماته. كما ان ما سلف من نتائجه، وما هو متوقع من استئنافه لا يُشجع على العودة اليه. وليس بهذا المعنى، الموقف السلبي أو المشروط من الدعوة إليه، سوى تعبير دقيق وحقيقي عن تلك المعضلة التي آل إليها الوضع اللبناني في مجمله حيث اكتملت أو تكاد الاصطفافات وأخذت تفاصيلها مناحي إلغائية غير خافية على أحد، كما أخذت مناحي شخصية مُسفّة في ابتذالها ووضاعتها.
أخطر من "الشكل" الراهن للعلاقات بين القوى المدعوة الى الحوار العتيد، هناك المضمون الكئيب الخاص بالسلاح والسياسة والمحكمة والعدالة وعلاقات لبنان الخارجية والانقلاب وحكومته.. كل حالة من هذه تركب على سيبة انعدام الثقة ولا تتزحزح، قبل أن تركب على الاختلافات الجذرية في نظرة كل فريق إليها.
نجح الممانعون و"حزب الله" في طليعتهم، بل أساسهم والباقي توابع.. نجح هؤلاء في ايصال اللبنانيين الى نقطة أمرّ وأصعب وأخطر من كل ما سبقها من تشظيات وانقسامات. ولا ضرورة (فيها ملل) للعودة الى التذكير بكل ما اتفق عليه ولم يُنفّد، أو ما تم التفاهم عليه ونُقض، بل يمكن الاكتفاء بالارتكاب الأخير والأخطر الذي لا يعلو كعبه شيء (حتى الآن)، وهو ذلك الخاص برفض التسوية التي وُضعت بعناية خاصة، وكان يُفترض أن تتوّج بلقاء المصالحة والمصارحة والمسامحة في الرياض!
..إذا كانت دول إقليمية أساسية ورئيسية وذات وزن وثقل، شاركت وتعبت وسهرت وعملت على وضع أسس تلك التسوية.. ومع ذلك، نُفِضَتْ اليد منها، ولُحِسَتْ الالتزامات والتعهدات، فماذا يبقى بعد ذلك؟!
تلك لم تكن الأولى. لكنها الأخطر والأوضح والأكثر مرارة! سبقها التفلت من التزامات اتفاق الدوحة، وقبلها التفلت من مقررات طاولة الحوار الاجماعية.. وبينهما الكثير الكثير من التفاصيل الخاصة بتفاهمات ووعود وعهود قُطعت على المستوى المحلي وتم التفلّت منها والتراجع عنها من دون أن يرفّ للمرتكب جفن.
يطلبون حواراً اليوم، وفي بال الكثيرين، انهم يطلبون شيئاً يشبه تلك الوقائع التي تلي الحروب بين الدول، وفيها يأتي المنتصر ليملي على المنكسر شروطه! حوار إذعان، يفوت الداعون إليه، انه لا يستقيم بين "قدّيسين" وأبالسة! فلنحلّ هذه المسألة أولاً، ثم نحكي في الباقي!