شهدت الأيام الأخيرة تخبّطا لافتا على مستوى فريق الثامن من آذار الذي عجز بشكل كلّي عن اجتراح المخارج السياسية الملائمة لمواجهة مؤسّسة دولية كبرى أراد لبنان من خلال الانخراط في منظومتها منذ مطلع الخمسينات أن تكون هي السند له والملاذ لمواجهة الإرهاب والتعدّيات التي تستهدفه، وهذه المؤسّسة هي الأمم المتحدة التي يراهن فريق كبير من اللبنانيين على دورها.
وفي عودة الى الوراء كان الخطأ الفادح الذي ارتكب يوم قرّر فريق الثامن من آذار سحب وزرائه من الحكومة لفرط عقدها، ففشلت لبنَنة المحكمة التي كان من المقرّر أن تتولى التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو ما دفع الى تدويل التحقيق، فوُضعت الإجراءات على سكّة المحكمة الدولية التي ما من أحد بإمكانه وقف إجراءاتها وتعطيل آلياتها لأنّ المشترع الدولي حسبَ كلّ الحسابات التي من الممكن أن يستخدمها المتّهمون والمجرمون لتعطيل آلياتها، وهذا ما يحاول ترداده بعض من كانت تسوّله نفسه إرباكها ووضع العصيّ في دواليبها.
من هذا المنطلق، وبعدما راهن الكثيرون على إطالة أمَد التحقيقات الأوّلية وعدم صدور القرار الاتّهامي بسرعة قياسية عمّا سبقه من التحقيق في جرائم مماثلة، فقد كان لصدور القرار الاتّهامي وقع كالصاعقة في نفوس العديد ممن وجدوا أنّ سفن التحقيق تجري بعكس ما ترغب رياحهم، وقد أدّى صدور القرار إلى بدء سريان المهل، أوّلها مهلة الثلاثين يومَ عمل التي تنتهي في 11 آب المقبل، وهو التاريخ الأقصى لتسليم الدولة اللبنانيّة عبر أجهزتها القضائية تقريرا مفصّلا يحدّد نتائج تعقّب المتهمين الأربعة بالجريمة وتنفيذ مذكّرات التوقيف الموجهة إليهم، حتى إذا لم يُعثر عليهم، أم بحال عجزت السلطة اللبنانية عن توقيفهم، فإنّ المحكمة من شأنها نشر القرار الاتهامي وإبلاغهم مباشرة عبر وسائل الإعلام الدولية، على أن تنتهي المهلة الجديدة بعد ثلاثين يوما إضافية ليباشر ببدء جلسات المحاكمة العلنيّة مع اعتبار المتهمين فارّين من وجه العدالة.
مصادر سياسية رفيعة أكّدت عقب سلسلة من الاتّصالات مع عدد من المسؤولين في قيادات 8 آذار أنّ قرارا على أعلى المستويات قد اتّخذ لإبعاد هؤلاء المتّهمين عن الساحة الداخلية عن طريق نقلهم الى خارج الأراضي اللبنانية بغية إبعاد كأس وقع الجريمة عن "حزب الله" وهو ما بات أمرا مؤكّدا وقد عكسته تصريحات عدد من مسؤولي الحزب أبرزهم النائب نوّاف الموسوي الذي شكّل موقفه إعلانا صريحا وواضحا باسم الحزب تخطّى حدود العِلم والخبر والموقف معا إلى درجة التحذير من تناول هذا الملف بعد اليوم مشبّها هؤلاء المطلوبين ب"القدّيسين" الذين يستحقّون "أيقونات" على الصدور. وهذا ما يفسّر الانتقال من مرحلة الترقّب والانتظار الى مرحلة الحسم لناحية الدخول في مواجهة بين كلّ من لبنان والمجتمع الدولي، من دون التنبّه الى ما قد يطال لبنان من عقوبات اقتصادية ملزمة للدول التي يتوجّب رضوخها للاتفاقات الدولية الملزمة لها، خصوصا وأنّ فريقاً كبيراً في البلاد غير مشارك في قرار يجنح به نحو الهاوية وإنّما هو قرار أحادي الجانب وحزبيّ يعمد الى فرض مشيئة فريق واحد على حكومة بعضها ينتمي إليه وبعضها يتلطّى به لتحقيق المغانم السياسية والمادية والمنافع، من دون أن يأخذ أيّ مصلحة طائفيّة أو وطنيّة بعين الاعتبار، فيما البعض الآخر وكأنه محاصر سياسيّا وموقفه لا قوّة له فيه ولا رأي مؤثر عمليّا وقد أجبِر على انتقاء أفضل الشرور لتمرير المرحلة الراهنة.
لا شكّ في أنّ لبنان على النحو الذي سبق ذكره ذاهب الى المواجهة تبعا لقرار آحادي قد يجرّ لبنان الى المجهول كما سبق وجرّه الى خراب محتّم في 12 تموز 2006 عندما قرّر "حزب الله" خطف جنديّين إسرائيليين ليعود السيّد نصرالله بعد أشهر ليعلن أنّه "لو عرف أنّ لبنان سيصاب بالخراب والدمار، لما أقدم على عمليّة الخطف".
هكذا وعلى وقع الأخطاء والارتكابات التي تكلّف لبنان عشرات المليارات من الخسائر يتساءل المواطنون: هل تقود حسابات فريق لبناني مجدّدا الى الدمار والويلات والحصار الاقتصادي لسنوات؟ وما هو موقف "حزب الله" فيما إذا عمل على تأمين الغطاء للمرتكبين المتّهمين أم تأمين هروبهم الى خارج الأراضي اللبنانية أم ثابرَعلى التحدّي والكيديّة ووضع نفسه في مواجهة تخطّت حدود العدوّ ولامست حدود العالم بأسره؟
وإنّ حجج المقاومة تتضاعف ولم تعد تقتصر على مزارع شبعا، بل يجعل الحزب نفسه الوصيّ الوحيد لتحصين حدود لبنان البحرية لحماية نفطه، وهذا ما شكّل آخر الذرائع التي أفضت الى اعتبار أيّ كلام عن مناقشة السلاح جريمة تستوجب الاقتصاص والعقاب!